الصفحة 229 من 471

إلا أن هاهنا نظرًا آخر: وهو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صار في هذه المسائل كالمرشد للمكلف، وكالمتبرع بالنصيحة عند وجود مظنة الاستنصاح، فلما اتكل المكلف على اجتهاده دون نصيحة الناصح، الأعرف بعوارض النفوس، صار كالمتبع لرأيه مع وجود النص، وإن كان بتأويل، فإن سمي في اللفظ بدعة فبهذا الاعتبار، وإلا فهو متبع للدليل المنصوص من صاحب النصيحة، وهو الدال على الانقطاع إلى الله تعالى بالعبادة.

ومن هنا قيل فيها: إنها بدعة إضافية لا حقيقية، ومعنى كونها إضافية أن الدليل فيها مرجوح بالنسبة لمن يشق عليه الدوام عليها، وراجح بالنسبة إلى من وفَّى بشرطها -ولذلك وفَّى بها عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما بعد ما ضعف [1] ، وإن دخل عليه فيها بعض الحرج حتى تمنى قبول الرخصة- بخلاف البدعة الحقيقية، فإن الدليل عليها مفقود حقيقة، فضلًا عن أن يكون مرجوحًا.

فهذه المسألة تشبه مسألة خطأ المجتهد، فالقول فيهما متقارب، وسيأتي الكلام فيهما إن شاء الله تعالى.

وأما قول السائل في الإشكال: إن التزم الشرط فأدى العبادة على وجهها... إلى آخره، فصحيح، إلا قوله: فإن تركها لعارض فلا حرج كالمريض. فإن ما نحن فيه ليس كذلك، بل ثم قسم آخر، وهو أن يتركها بسبب تسبب هو فيه.

(1) ذكر ذلك مسلم والبخاري، كما في التخريجات السابقة: أنه كان إذا ضعف يفطر ويحسب الأيام التي أفطرها ويقضيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت