الصفحة 230 من 471

وأما قوله: ثبت أن من أقسام البدع ما ليس بمنهي عنه، فليس كما قال، وذلك أن المندوب هو من حيث هو مندوب يشبه الواجب من جهة مطلق الأمر، ويشبه المباح من جهة رفع الحرج على التارك، فهو واسطة بين الطرفين لا يتخلى إلى واحد منهما، إلا أن قواعد الشرع شرطت في ناحية العمل شرطًا، كما شرطت في ناحية تركه شرطًا، فشرط العمل به أن لا يدخل به مدخلًا يؤدى إلى الحرج يؤدى إلى انخرام الندب فيه رأسًا، أو انخرام ما هو أولى منه، وما وراء هذا موكول إلى خيرة المكلف، فإن دخل فيه فلا يخلو أن يدخل فيه على قصد انخرام الشرط أو لا، فإن كان كذلك، فهو القسم الذى يأتى إن شاء الله، وحاصله أن الشارع طالبه برفع الحرج، وهو يطالب نفسه بوضعه، وإدخاله على نفسه وتكليفها ما لا يستطاع، مع زيادة الإخلال بكثير من الواجبات والسنن، التي هي أولى مما دخل فيه، ومعلوم أن هذه بدعة مذمومة.

وإن دخل على غير ذلك القصد، فلا يخلو أن يُجرِي المندوب على مجراه أو لا:

فإن أجراه كذلك بأن يفعل منه ما استطاع إذا وجد نشاطًا، ولم يعارضه ما هو أولى مما دخل فيه، فهو محض السنة التي لا مقال فيها، لاجتماع الأدلة على صحة ذلك العمل، إذ قد أُمِر فهو غير تارك، ونهى عن الإيغال وإدخال الحرج فهو متحرز، فلا إشكال في صحته، وهو كان شأن السلف الأول ومن بعدهم.

وإن لم يجره على مجراه، ولكنه أدخل فيه رأي الالتزام والدوام، فذلك الرأي مكروه ابتداءً.

لكن فُهِم من الشرع: أن الوفاء -إن حصل- فهو -إن شاء الله- كفارة النهي، فلا يصدق عليه في هذا القسم معنى البدعة، لأن الله تعالى مدح الموفين بالنذر والموفين بعهدهم إذا عاهدوا [1] ، وإن لم يحصل الوفاء تمحَّض وجه النهي، وربما أثِم في الالتزام النذري.

(1) في قوله تعالى { يوفون بالنذر } [الإنسان:7] ، وقوله جل شأنه { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } [البقرة:177] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت