ولأجل احتمال عدم الوفاء أطلق عليه لفظ البدعة، لا لأجل أنه عمل بلا دليل عليه، بل الدليل عليه قائم.
ولذلك إذا التزم الإنسان بعض المندوبات، التي يعلم أو يظن أن الدوام فيها لا يوقع في حرج أصلًا -وهو الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة المنبه عليها- لم يقع في نهي، بل في محض المندوبات،كالنوافل الرواتب مع الصلوات، والتسبيح والتحميد والتكبير في آثارها، والذكر اللساني الملتزم بالعشي والإبكار، وما أشبه ذلك مما لا يخل بما هو أولى، ولا يدخل حرجًا بنفس العمل به ولا بالدوام عليه.
وفي هذا القسم جاء التحريض على الدوام صريحًا، ومنه كان جمع عمر رضي الله عنه الناس في رمضان في المسجد، ومضى عليه الناس، لأنه كان أولًا سنة ثابتة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم إنه أقام للناس بما كانوا قادرين عليه ومحبين فيه، وفي شهر واحد من السنة لا دائمًا، وموكولًا إلى اختيارهم، لأنه قال: والتي ينامون عنها أفضل [1] .
وعلى هذا المعنى جرى كلام أبي أمامة رضي الله عنه مستشهدًا بالآية حيث قال: أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم. إنما معناه ما ذكرناه، ولأجله قال: فدوموا عليه [2] . ولو كان بدعة على الحقيقة لنهى عنه، ومن هذه الجهة أجرينا الكلام على ما نهى - صلى الله عليه وسلم - عنه من التعبد المخوف الحرج في المآل، واستسهلنا وضع ذلك في قسم البدع الإضافية، تنبيهًا على وجهها ووضعها في الشرع مواضعها، حتى لا يغتر بها مغتر فيأخذها على غير وجهها، ويحتج بها على العمل بالبدعة الحقيقية قياسًا عليها، ولا يدري ما عليه في ذلك، وإنما تجشمنا إطلاق اللفظ هنا، وكان ينبغي أن لا يُفعل لولا الضرورة، وبالله التوفيق.
فصل
(1) تقدم ص40 رقم (3) ، ص44 رقم (2) ، ص178.
(2) تقدم تخريجه أول الباب.