الصفحة 233 من 471

وإلى منع تحريم الحلال ذهب الصحابة والتابعون ومن بعدهم، إلا أنه إذا كان التحريم غير محلوف عليه فلا كفارة، وإن كان محلوفًا عليه ففيه الكفارة، ويعمل الحالف بما أحل الله له [1] .

وعلى ذلك جرت الفُتيا في الإسلام: إن كل من حرم على نفسه شيئًا مما أحل الله له فليس ذلك التحريم بشيء، فليأكل إن كان مأكولًا، وليشرب إن كان مشروبًا، وليلبس إن كان ملبوسًا، وليملك إن كان مملوكًا. وكأنه إجماع منهم منقول عن مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم.

واختلفوا في الزوجة: ومذهب مالك أن التحريم طلاق كالطلاق الثلاث [2] ، وما سوى ذلك فهو باطل، لأن القرآن شهد بكونه اعتداء، حتى إنه إن حرَّم على نفسه وطء أمةِ غيره قاصدًا به العتق فوطؤها حلال، وكذلك سائر الأشياء: من اللباس والمسكن والصمت والاستظلال والاستضحاء، وقد تقدم الحديث في الناذر للصوم قائمًا في الشمس ساكتًا، فإنه تحريم للجلوس والكلام والاستظلال، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بالجلوس والتكلم والاستظلال [3] .

قال مالك: أمره ليتم ما كان له فيه طاعة، ويترك ما كان عليه فيه معصية.

فتأملوا كيف جعل مالك ترك الحلال معصية! وهو مقتضى الآية في قوله تعالى: { ولا تعتدوا } الآية.

فصل

ويتعلق بهذا الموضع مسائل:

1.إحداها: أن تحريم الحلال وما أشبه ذلك يتصور في أوجه:

(1) ... روى البخاري (4911) وغيره، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: في الحرام يكفِّر، وقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.

(2) ... اختلفت أقوال العلماء في حكم من حرَّم امرأته عليه، حتى بلغها القرطبي ثمانية عشر قولًا، وقال ابن حجر: وزاد غيره عليها. (انظر نيل الأوطار 7/57) .

(3) ... رواه البخاري (6704) وابن خزيمة (2241) والدارقطني (4/161) وأبو داود (3300) وابن ماجة (2136) وابن حبان (4385) وعبد الرزاق (15821) من حديث ابن عباس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت