فلا إشكال إذًا على هذا التقرير في كلام الغزالي ولا غيره ممن سلك مسلكه، لأنهم بنوا على أصل قطعي في الشرع، محكم لا ينسخه شيء وليس من مسألتنا بسبيل.
والحاصل: أن مضمون هذا الفصل يقتضي أن العمل على الرهبانية المنفية في الآية بدعة من البدع الحقيقية لا الإضافية، لردّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها أصلًا وفرعًا.
ثبت بمضمون هذه الفصول المتقدمة آنفًا أن الحرج منفي عن الدين جملة وتفصيلًا - وإن كان قد ثبت أيضًا في الأصول الفقهية على وجه من البرهان أبلغ - فلنبن عليه فنقول:
قد فهم قوم من السلف الصالح وأهل الانقطاع إلى الله ممن ثبتت ولايتهم أنهم كانوا يشددون على أنفسهم، ويلزمون غيرهم الشدة أيضًا والتزام الحرج ديدنًا في سلوك طريق الآخرة، وعدوا من لم يدخل تحت هذا الالتزام مقصرًا مطرودًا ومحرومًا، وربما فهموا ذلك من بعض الإطلاقات الشرعية، فرشحوا بذلك ما التزموه، فأفضى الأمر بهم إلى الخروج عن السنة إلى البدعة الحقيقية أو الإضافية.
-فمن ذلك: أن يكون للمكلف طريقان في سلوكه للآخرة، أحدهما سهل والآخر صعب، وكلاهما في التوصل إلى المطلوب على حد واحد، فيأخذ بعض المتشددين بالطريق الأصعب الذي يشق على المكلف مثله، ويترك الطريق الأسهل بناء على التشديد على النفس: