وإذا تقرر هذا، فالفرار من العوارض بالسياحة واتخاذ الصوامع وسكنى الجبال والكهوف، إن كان على شرط أن لا يحرموا ما أحل الله من الأمور التي حرمها الرهبان، بل على حد ما كانوا عليه في الحواضر ومجامع الناس: لا يشددون على أنفسهم بمقدار ما يشق عليهم، فلا إشكال في صحة هذه الرهبانية، غير أنها لا تسمى رهبانية إلا بنوع من المجاز، أو النقل العرفي الذي لم يجرِ عليه معتاد اللغة، فلا تدخل في مقتضى قوله تعالى: { ورهبانيةً ابتدعوها } لا في الاسم ولا في المعنى.
وإن كان على التزام ما التزمه الرهبان، فلا نسلم أنه في هذه الشريعة مندوب إليه ولا مباح، بل هو مما لا يجوز، لأنه كالشرع بغير شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فلا ينتظمه معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -:"من رغب عن سنتي فليس مني".
وأما ما ذكره الغزالي وغيره من تفضيله العزلة على المخالطة ، وترجيح العزبة على اتخاذ أهل عند اعتوار العوارض، فذلك يستمد من أصل آخر لا من هنا.
وبيانه أن المطلوبات الشرعية لا تخلو أن يكون المكلف قادرًا على الامتثال فيها مع سلامته عند العمل بها من وقوعه في منهي عنه أو لا، فإن كان قادرًا في مجاري العادات بحيث لا يعارضه مكروه أو محرم، فلا إشكال في كون الطلب متوجهًا عليه بقدر استطاعته، على حد ما كان السلف الصالح عليه قبل وقوع الفتن.
فإذا كانت العزلة مؤدية إلى السلامة فهي الأولى في أزمنة الفتن، والفتن لا تختص بفتن الحروب فقط فهي جارية في الجاه والمال وغيرهما من مكتسبات الدنيا، وضابطها ما صدَّ عن طاعة الله، ومثل هذا ما يجري بين المندوب والمكروه، وبين المكروهين.
وإن كانت العزلة مؤدية إلى ترك الجُمُعات والجماعات، والتعاون على الطاعات وأشباه ذلك فإنها [موقعة في المحرم من جهة و] أيضًا سلامة من جهة أخرى، ويقع التوازن بين المأمورات والمنهيات، وكذلك النكاح إذا أدى إلى العمل بالمعاصي ولم يكن في تركه معصية كان تركه أولى.