وأيضًا فإن الله تعالى قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: { واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا } [1] والتبتل -على ما قاله زيد بن أسلم- رفض الدنيا، من قولهم: بتلت الحبل بتلًا إذا قطعته، ومعناه انقطع من كل شيء إلا منه.
وقال الحسن وغيره: بتِّل إليه نفسك واجتهد [2] . وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته. هذا إلى ما جاء عن السلف الصالح من الانقطاع إلى عبادة الله ورفض أسباب الدنيا، والتخلي عن الحواضر إلى البوادي، واتخاذ الخلوات في الجبال والبراري، حتى إن بعض الجبال الشامية قد خصها الله بالأولياء والمنقطعين إلى لبنان ونحوه، فما وجه ذلك؟
فالجواب: أن الرهبانية إن كانت بالمعنى المقرر في شرائع الأُوَل فلا نسلم أنها في شرعنا، لما تقدم من الأدلة على نسخها، كانت لعارض أو لغير عارض، إذ لا رهبانية في الإسلام، وقد ردَّ - صلى الله عليه وسلم - التبتل حسبما تقدم.
وإن كانت بمعنى الانقطاع إلى الله حسبما شرع، وعلى حد ما انقطع إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو المخاطَب بقوله: { وتبتل إليه تبتيلًا } فهذا هو الذي نحن في تقريره، وأنه السنة المتبعة والهدي الصالح والصراط المستقيم.
وليس في كلام زيد بن أسلم وغيره في معنى التبتل ما يناقض هذا المعنى، لأن رفض الدنيا ليس بمعنى طرح اتخاذها جملة وترك الاستمتاع بها، بل بمعنى ترك الشغل بها عما كلف الإنسان به من الوظائف الشرعية.
(1) ... المزمِّل: 8.
(2) ... عن مجاهد: تفسير الطبري (29/133) .