والثاني: أن تكون آية العقود غير متناولة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأن قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا } لا تدخل فيه، بناءً على قول من قال بذلك من الأصوليين، وعند ذلك لا يبقى في القضية ما ينظر فيه، ولا يكون للمحتج بالآية متعلق، والله أعلم.
إذا ثبت هذا، فكل من عمل على هذا القصد فعمله غير صحيح، لأنه عاملٌ أما بغير شريعة، لأنه لم يتبع أدلتها، وإما عامل بشرع منسوخ، والعمل بالمنسوخ مع العلم بالناسخ باطلٌ بلا خلاف، لأن الترهب والامتناع من اللذات والنساء وغير ذلك: إن كان مشروعًا ففيما قبل هذه الشريعة من الشرائع، وقد تقدم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" [1] وهو معنى البدعة.
فإن قيل: فقد تقدم من نقل ابن العربي في الرهبانية: أنها السياحة واتخاذ الصوامع للعزلة - قال - وذلك مندوب إليه في ديننا عند فساد الزمان.
وقد بسط الغزالي هذا الفصل في الإحياء عند ذكر العزلة، وذكر في كتاب آداب النكاح من ذلك ما فيه كفاية.
وحاصله أن ذلك مشروع، بل هو الأولى عند عروض العوارض، وعندما يصير النكاح ومخالطة الناس وبالًا على الإنسان، ومؤديًا إلى اكتساب الحرام والدخول فيما لا يجوز، كما جاء في الصحيح من قوله - صلى الله عليه وسلم -: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن) [2] ، وسائر ما جاء في هذا المعنى.
(1) ... تقدم ص254.
(2) ... رواه البخاري (19) والنسائي (8/123) وفي الكبرى (11767) وأبو داود (4267) وابن ماجة (3980) وابن حبان (5958) وابن أبي شيبة (7/448) وأحمد (3/30) من حديث أبي سعيد الخدري. ورواه الحاكم (4/458) بنحوه من حديث عبادة بن الصامت. وشعف: بفتحتين، جمع شعفة: وهي رؤوس الجبال.