الصفحة 245 من 471

-ومن ذلك: الاقتصار في الملبس على الخشن من غير ضرورة، فإنه من قبيل التشديد والتنطُّع المذموم، وفيه أيضًا من قصد الشهرة ما فيه.

وكل ما جاء عن المتقدمين من الامتناع عن بعض المتناولات ليس من هذه الجهة، وإنما امتنعوا منه لعارض شرعي يشهد الدليل باعتباره، كالامتناع من التوسع لضيق الحال في يده، أو لأن المتناول ذريعة إلى ما يكره أو يمنع، أو لأن في المتناول وجه شبهة تفطَّن إليه التارك ولم يتفطن إليه غيره ممن علم بامتناعه. وقضايا الأحوال لا تعارض الأدلة بمجردها، لاحتمالها في أنفسها.

-ومن ذلك: الاقتصار في الأفعال والأحوال على ما يخالف محبة النفوس وحملها على ذلك في كل شيء من غير استثناء، فهو من قبيل التشديد، ألا ترى أن الشارع أباح أشياء مما فيه قضاء نهمة النفس وتمتعها واستلذاذها؟ فلو كانت مخالفتها بِرًا لشرع، ولندب الناس إلى تركه، فلم يكن مباحًا، بل مندوب الترك أو مكروه الفعل.

فمن يأتي متعبدًا بزعمه بخلاف ما وضع الشارع له من الرفق والتيسير والأسباب الموصلة إلى محبته، فيأخذ بالأشق والأصعب، ويجعله هو السلم الموصل والطريق الأخص، هل هذا كله إلا غاية في الجهالة، ولف في تيه الضلالة؟ عافانا الله من ذلك بفضله.

فإذا سمعتم بحكاية تقتضي تشديدًا على هذا السبيل، أو يظهر منها تنطُّع أو تكلُّف فإما أن يكون صاحبها ممن يعتبر كالسلف الصالح، أو من غيرهم ممن لا يعرف ولا ثبت اعتباره عند أهل الحل والعقد من العلماء، فإن كان الأول فلا بد أن يكون على خلاف ما ظهر لبادي الرأي، كما تقدم، إن كان الثاني فلا حجة فيه، وإنما الحجة في المقتدين برسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

فهذه خمسة في التشديد في سلوك طريق الآخرة يقاس عليها ما سواها.

فصل [في البدع الإضافية]

قد يكون أصل العمل مشروعًا ولكنه يصير جاريًا مجرى البدعة من باب الذرائع ، ولكن على غير الوجه الذي فرغنا من ذكره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت