كالنوازل الحادثة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها، وإنما حدثت بعد ذلك، فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تبين في الكليات التي كمل بها الدين، وإلى هذا الضرب يرجع جميع ما نظر فيه السلف الصالح مما لم يسنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الخصوص مما هو معقول المعنى، كتضمين الصنَّاع، ومسألة الحرام والجد مع الأخوة، وعَول الفرائض، ومنه جمع المصحف ثم تدوين الشرائع [1] ، وما أشبه ذلك مما لم يحتج في زمانه عليه السلام إلى تقريره، للتقديم كلياته التي تستنبط بها منها، وإذا لم تقع أسباب الحكم فيها ولا الفتوى بها منه عليه الصلاة والسلام، فلم يذكر لها حكم مخصوص.
(1) ... التضمين من الضمان، وهو التزام بتعويض عن ضرر للغير، والصُّنَّاع: الأجراء، كالخياط يعطى القماش ليصنعه ثوبًا.
ومسألة الحرام: وهي تحريم الرجل زوجته، وتقدمت. والجد مع الأخوة: هذا في الميراث، فمن العلماء من جعله كالأب فلم يورث الأخوة في وجوده، ومنهم من أشرك الأخوة معه في الميراث. وأما العَوْل: فهو زيادة سهام الورثة عن أصل المسألة، كاجتماع زوج وأخت وأم، فالجمهور على القول بالعول، وذهب ابن عباس وغيره إلى تقديم الأولى فالأولى ولا عول. وجمع المصحف: كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكتوبًا في الرقاع واللخاف والأكتاف والجريد غير مجموع في كتاب واحد لأنه لم يحتج إلى ذلك لأنه كان محفوظًا في الصدور. وجمعه أبو بكر الصديق بمشورة عمر، ثم جمعه الجمع الثاني عثمان بن عفان بمحضر من الصحابة على حرف واحد، وعمل منه نسخًا أرسلها إلى الأمصار وهو المعروف بالمصحف الإمام. وأما تدوين الشرائع: فمثل كتابة الأحاديث في الصحاح والمسانيد والسنن، وتدوين العلوم الشرعية مثل مصطلح الحديث وأصول الفقه والتفسير ونحو ذلك.