الصفحة 256 من 471

ولذلك مثال فيما نقل عن مالك بن أنس [1]

(1) ... الإمام مالك بن أنس: هو شيخ الإسلام حجة الأمة إمام دار الهجرة: أبو عبد الله مالك ابن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الحميري ثم الأصبحي المدني حليف ابن تيم من قريش، فهم حلفاء عثمان أخي طلحة بن عبيد الله أحد العشرة، مولد مالك على الأصح في سنة ثلاث وتسعين عام موت أنس خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، طلب العلم وهو حدث بعيد موت القاسم وسالم، فأخذ عن نافع وسعيد المقبري وعامر بن عبد الله ابن الزبير وابن المنكدر والزهري وعبدالله بن دينار وخلق. وعن أبي صالح عن أبي هريرة يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ليضربن الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة"وقد رواه النسائي [في الكبرى 4291، ورواه الترمذي 2680، وابن حبان 3736: ضعيف: الضعيفة/ 4833] . قلت: كان عالم المدينة في زمانه بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه: زيد بن ثابت وعائشة، ثم ابن عمر ثم سعيد بن المسيب، ثم الزهري، ثم عبيد الله بن عمر، ثم مالك. وعن ابن عيينة قال: مالك عالم أهل الحجاز وهو حجة زمانة. وقال الشافعي: -وصدق وبر- إذا ذكر العلماء فمالك النجم. ابن وهب عن مالك قال دخلت على المنصور وكان يدخل عليه الهاشميون فيقبلون يده ورجله عصمني الله من ذلك. قال يونس سمعت الشافعي يقول: مالك وابن عيينه القرينان، ولولا مالك وابن عيينه لذهب علم الحجاز. عن شعبه قال قدمت المدينة بعد موت نافع بسنة ولمالك بن أنس حلقه. أيوب قال: لقد كان لمالك حلقة في حياة نافع. محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول قال لي محمد بن الحسن: صاحبنا أعلم من صاحبكم، يريد أبا حنيفة ومالكًا، وما كان لصاحبكم أن يتكلم، وما كان لصاحبنا أن يسكت، فغضبت وقلت: نشدتك الله! من أعلم بالسنة مالك أو صاحبكم؟ فقال: مالك، لكن صاحبنا أقيس..فقلت: نعم ومالك أعلم بكتاب الله وناسخه ومنسوخه وبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أبي حنيفة، ومن كان أعلم بالكتاب والسنة كان أولى بالكلام.

قال الهيثم بن جميل: سمعت مالكا سئل عن ثمان وأربعين مسألة فأجاب في اثنتين وثلاثين منها بـ لا أدري. ابن سعد: حدثنا الواقدي قال: ما دعي مالك وشوور وسمع منه وقبل قوله حسد وبغوة بكل شيء، فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة سعوا به إليه وكثروا عليه عنده، وقالوا لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت ابن الأحنف في طلاق المكره أنه لا يجوز عنده، قال فغضب جعفر فدعا بمالك فاحتج عليه بما رفع إليه عنه، فأمر بتجريده وضربه بالسياط، وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه وارتكب منه أمر عظيم. فوالله ما زال مالك بعد في رفعه وعلو. قلت: هذا ثمرة المحنة المحمودة أنها ترفع العبد عند المؤمنين، وبكل حال فهي بما كسبت أيدينا ويعفو الله عن كثير، ومن يرد الله به خيرًا يصيب منه. فالمؤمن إذا امتحن صبر واتعظ واستغفر ولم يتشاغل بذم من انتقم منه، فالله حكمٌ مقسط، ثم يحمد الله على سلامة دينه ويعلم أن عقوبة الدنيا أهون وخير له. عن ابن وهب سئل مالك عن الداعي يقول يا سيدي، فقال: يعجبني دعاء الأنبياء: ربنا ربنا.

قال مالك: أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم - لجدله. الشافعي يقول: كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء قال: أما إني على بينة من ديني، وأما أنت فشاكّ اذهب إلى شاك مثلك فخاصمه.

حدثنا جعفر بن عبد الله قال: كنا عند مالك فجاءه رجل فقال يا أبا عبد الله: { الرحمن على العرش استوى } كيف استوى؟ فما وجد مالك من شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض وجعل ينكت بعود في يده حتى علاه الرحضاء، ثم رفع رأسه ورمى بالعود وقال: الكيف منه غير معقول والاستواء منه غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحب بدعة، وأمر به فأخرج.

وقال إسماعيل بن أبي أويس: مرض مالك، فسألت بعض أهلنا عما قال عند الموت؟ قالوا: تشهد ثم قال { لله الأمر من قبل ومن بعد } ، وتوفي صبيحة أربع عشرة من ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومئة. (السير: 8/48) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت