والجواب: أن مجيء الإمام لم يشرع فيه الأذان وإن خفي على بعض الناس لبعده بكثرة الناس، فكذلك لا يشرع فيما بعد، لأن العلة كانت موجودة ثم لم تشرع، إذ لا يصح أن تكون العلة غير مؤثرة في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء بعده ثم تصير مؤثرة، وأيضًا فإحداث الأذان والإقامة انبنى على إحداث تقديم الخطبة على الصلاة، وما انبنى على المحدث محدث، ولأنه لما لم يشرع في النوافل أذان ولا إقامة على حال فهمنا من الشرع التفرقة بين النفل والفرض، لئلا تكون النوافل كالفرائض في الدعاء إليها، فكان إحداث الدعاء إلى النوافل لم يصادف محلًا، وبهذه الأوجه الثلاثة يحصل الفرق بين أذان الزوراء وبين ما نحن فيه، فلا يصح أن يقاس أحدهما على الآخر، والأمثلة في هذا المعنى كثيرة.
وهذا كله إن فرضنا أصل العبادة مشروعًا، فإن كان أصلها غير مشروع فهي بدعة حقيقية مركبة.
فصل
فإن قيل: فالبدع الإضافية هل يعتد بها عبادات، حتى تكون من تلك الجهة متقربًا بها إلى الله تعالى، أم لا تكون كذلك؟
فإن كان الأول: فلا تأثير إذًا لكونها بدعة، ولا فائدة في ذكره، إذ لا يخلو من أحد الأمرين:
إما أن لا يعتبر بجهة الابتداع في العبادة المفروضة، فتقع مشروعة يثاب عليها، فتصير جهة الابتداع مغتفرة، فلا على المبتدع فيها أن يبتدع.
وإما أن يعتبر بجهة الابتداع، فقد صار للابتداع أثر في ترتب الثواب، فلا يصح أن يكون منفيًا عنه بإطلاق، وهو خلاف ما تقرر من عموم الذم فيه.
وإن كان الثاني: فقد اتحدت البدعة الإضافية مع الحقيقية بالتقسيم الذي انبنى عليه الباب الذي نحن في شرحه ولا فائدة فيه.
فالجواب: أن حاصل البدعة الإضافية أنها لا تنحاز إلى جانب مخصوص في الجملة، بل ينحاز بها الأصلان - أصل السنة وأصل البدعة- لكن من وجهين.
وإذا كان كذلك اقتضى النظر السابق للذهن أن يثاب العامل بها من جهة ما هو مشروع، ويعاتب من جهة ما هو غير مشروع.