هذا، وإن نص على منعه أو كراهته، فإن عمله معارض لقوله، فإما أن يقول العامى: إن العالم خالف بذلك، ويجوز عليه مثل ذلك، وهم عقلاء الناس، وهم الأقلون، وإما أن يقول: إنه وجد فيه رخصة، فإنه لو كان كما قال، لم يعمل به، فيرجح بين قوله وفعله، والفعل أغلب من القول في جهة التأسى، كما تبين في كتاب"الموافقات"، فيعمل العامى بعمل العالم، تحسينًا للظن به، فيعتقده جائزًا، وهؤلاء هم الأكثرون.
فقد صار عمل العالم عند العامى حجة، كما كان قوله حجة على الإطلاق والعموم في الفتيا، فاجتمع على العامى العمل مع اعتقاد الجواز بشبهة دليل، وهذا عين البدعة.
وأصل جميع ذلك سكوت الخواص عن البيان، أو العمل به على الغفلة.
ومن هنا تُستشنَع زلة العالم، فقد قالوا: ثلاث تهدم الدين: زلة العالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة ضالون [1] .
وكل ذلك عائد وباله على العالم، وزلله المذكور عند العلماء يحتمل وجهيين:
أحدهما: زللُه في النظر، حتى يفتى بما خالف الكتاب والسنة فيتابع عليه، وذلك الفتيا بالقول.
والثانى: زللُه في العمل بالمخالفات، فيتابع عليها أيضًا على التأويل المذكور، وهو في الاعتبار قائم مقام الفتيا بالقول، إذ قد علم أنه متبع ومنظور إليه، وهو مع ذلك يظهر بعمله ما ينهى عنه الشارع، فكأنه مفتٍ به، على ما تقرر في الأصول.
والثانى من قسمى المفسدة الحالية: أن يعمل بها العوام، وتشيع فيهم وتظهر، فلا ينكرها الخواص، ولا يرفعون لها رؤوسهم، وهم قادرون على الإنكار، فلم يفعلوا.
فالعامى من شأنه إذا رأى أمرًا يجهل حكمه يعمل العامل به فلا يُنكَر عليه، اعتقد أنه جائز، وأنه حسن، أو أنه مشروع، بخلاف ما إذا أُنْكِر عليه، فإنه يعتقد أنه عيب، أو أنه غير مشروع، أو أنه ليس من فعل المسلمين.
(1) ... تقدم تخريجه: ص93.