فإذا عدم الإنكار ممن شأنه الإنكار، مع ظهور العمل وانتشاره، وعدم خوف المنكر، ووجود القدرة عليه، فلم يفعل، دل عند العوام على أنه فعل جائز لا حرج فيه، فنشأ فيه هذا الاعتقاد الفاسد بتأويل يقنع بمثله من كان من العوام، فصارت المخالفة بدعة، كما في القسم الأول.
وقد ثبت في الأصول أن العالم في الناس قائم مقام النبى - صلى الله عليه وسلم - ، والعلماء ورثة الأنبياء [1] .
فكما أن النبى - صلى الله عليه وسلم - يدل على الأحكام بقوله وفعله وإقراره، كذلك وارثه يدل على الأحكام بقوله وفعله وإقراره.
واعتبر ذلك ببعض ما أحدث في المساجد من الأمور المنهى عنها، فلم ينكرها العلماء، أو عملوا بها، فصارت بعدُ سننًا ومشروعات، كزيادتهم مع الأذان:"أصبح ولله الحمد"، و"الوضوء للصلاة"، وتأهبوا، ودعاء المؤذنين بالليل في الصوامع.
ومثله إيقاد الشمع بعرفة ليلة الثامن، ذكر النووى [2] أنها من البدع القبيحة، وأنها ضلالة فاحشة، جمع فيها أنواع من القبائح.
منها: إضاعة المال في غير وجهه.
ومنها: إظهار شعائر المجوس.
ومنها: اختلاط الرجال والنساء والشمع بينهم ووجوههم بارزة.
ومنها: تقديم دخول عرفة قبل وقته المشروع. أهـ
وقد ذكر الطرطوشى في إيقاد المساجد في رمضان بعض هذه الأمور، وذكر أيضًا قبائح سواها.
(1) ... (صحيح) رواه أبو داود (3641) والترمذي (2682) وابن ماجة (223) وابن حبان (88) والدارمي (1/) من حديث أبي الدرداء، ورواه البزار بنحوه عنه كما في مجمع الزوائد (1/98) ، وذكره البخاري جزءًا من ترجمة باب (10) من كتاب العلم.
(2) ... قال النووي في المجموع في الحج (8/111) : فرع: من البدع القبيحة ما اعتاده بعض العوام في هذه الأزمان من إيقاد الشمع بجبل عرفة ليلة التاسع أو غيرها، ويستصحبون الشمع من بلدانهم لذلك ويعتنون به، وهذه ضلالة فاحشة جمعوا فيها أنواعًا من القبائح.