فأين هذا كله من إنكار مالك لتنحنح المؤذن أو ضربه الباب ليعلم بالفجر أو وضع الرداء، وهو أقرب مرامًا وأيسر خطبًا من أن تنشأ (منه) بدع محدثات، يعتقدها العوام سننًا، بسبب سكوت العلماء والخواص عن الإنكار، وبسبب عملهم بها؟!.
وأما المفسدة المآلية: فهى على فرض أن يكون الناس عاملين بحكم المخالفة، وأنها قد ينشأ الصغير على رؤيتها وظهورها، أو يدخل في الإسلام أحد ممن يراها شائعة ذائعة، فيعتقدوها جائزة أو مشروعة، لأن المخالفة إذا فشا في الناس فعلها من غير إنكار، لم يكن عند الجاهل بها فرق بينها وبين سائر المباحات أو الطاعات.
ولم يزل العلماء من السلف الصالح ومن بعدهم يتحفظون من أمثال هذه الأشياء، حتى كانوا يتركون السنن خوفًا من اعتقاد العوام أمرًا هو أشد من ترك السنن، وأولى من أن يتركوا المباحات أن لا يعتقد فيها أمرًا ليس بمشروع.
فقد ذكروا أن عثمان رضى الله عنه كان لا يقصر في السفر، فيقال له: أليس قد قصرت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فيقول: بلى، ولكنى إمام الناس، فينظر إلى الأعراب وأهل البادية أصلى ركعتين، فيقولون: هكذا فرضت [1] .
قال الطرطوشى: تأملوا رحمكم الله! فإن في القصر قولين لأهل الإسلام: منهم من يقول: فريضة، ومن أتم فإنما يتُّم ويعيد أبدًا، ومنهم من يقول: سنة، يعيد من أتم في الوقت، ثم اقتحم عثمان ترك الفرض أو السنة، لما خاف من سؤ العاقبة: أن يعتقد الناس أن الفرض ركعتان.
وكان الصحابة (رضى الله عنهم) لا يضحون، يعنى أنهم لا يلتزمون ذلك [2] .
قال الطرطوشى: والقول في هذا كالذى قبله، وإن لأهل الإسلام قولين في الأضحية: أحدهما سنة، والثانية واجبة، ثم اقتحمت الصحابة ترك السنة، حذرًا من أن يضع الناس الأمر على غير وجهه، فيعتقدونها فريضة.
(1) ... تقدَّم تخريجه ص357.
(2) ... تقدَّم تخريجه ص310.