وأصل هذا الاختلاف هو في التوحيد والتوجه للواحد الحق سبحانه، فإن الناس في عامة الأمر لم يختلفوا في أن لهم مدبرًا يدبرهم وخالقًا أوجدهم، إلا أنهم اختلفوا في تعيينه على آراء مختلفة، من قائل بالاثنين، وبالخمسة، أو بالطبيعة، أو بالدهر، أو بالكواكب ... إلى أن قالوا بالآدميين والشجر والحجارة وما ينحتونه بأيديهم، ومنهم من أقر بواجب الوجود الحق، لكن على آراء مختلفة أيضًا.
إلى أن بعث الله الأنبياء مبينين لأممهم حق ما اختلفوا (فيه) من باطله، فعرفوا بالحق على ما ينبغى، ونزهوا رب الأرباب عما لا يليق بجلاله، من نسبة الشركاء والأنداد، وإضافة الصاحبة والأولاد، فأقر بذلك من أقر به، وهم الداخلون تحت مقتضى قوله: { إلا من رحم ربك } ، وأنكر من أنكر، فصار إلى مقتضى قوله: { وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } [1] .
وإنما دخل الأولون تحت وصف الرحمة، لأنهم خرجوا عن وصف الاختلاف إلى وصف الوفاق والألفة، وهو قوله: { واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا } [2] ، وهو منقول عن جماعة من المفسرين.
وبقى الآخرون على وصف الاختلاف، إذ خالفوا الحق الصريح ونبذوا الدين الصحيح.
(والثانى) : ثم إن هؤلاء المتفقين قد يعرض لهم الاختلاف بحسب القصد الثانى لا بالقصد الأول، فإن الله تعالى حكيم بحكمته أن تكون فروع هذه الملة قابلة للأنظار ومجالًا للظنون، وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة، فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف، لكن في الفروع دون الأصول، وفى الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضر هذا الاختلاف.
(1) ... هود: 119.
(2) ... آل عمران: 103.