الصفحة 364 من 471

يعنى: أنه في مسائل الاجتهاد التى لا نص فيها بقطع العذر، بل لهم فيه أعظم العذر، مع أن الشارع لما علم أن هذا النوع من الاختلاف واقع، أتى فيه بأصل يُرجع إليه، وهو قول الله تعالى: { فإن تنازعتم في شىء فردوه إلى الله والرسول } [1] ، فكل اختلاف من هذا القبيل حكم الله فيه أن يرد إلى الله، وذلك رده إلى كتابه، وإلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك رده إليه إذا كان حيا، وإلى سنته بعد موته، وكذلك فعل العلماء رضى الله عنهم.

إلا أن لقائل أن يقول: هل هم داخلون تحت قوله تعالى: { ولا يزالون مختلفين } [2] .

والجواب: أنه لا يصح أن يدخل تحت مقتضاها أهل هذا الاختلاف من أوجه:

(أحدها) : أن الآية اقتضت أن أهل الاختلاف المذكورين مباينون لأهل الرحمة، لقوله: { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك } ، فإنه اقتضت قسمين: أهل الاختلاف، ومرحومين، فظاهر التقسيم أن أهل الرحمة ليسوا من أهل الاختلاف، وإلا كان قسم الشىء قسيمًا له، ولم يستقم معنى الاستثناء.

(والثانى) : أنه قال فيها: { ولا يزالون مختلفين } ، فظاهر هذا أن وصف الاختلاف لازم لهم، حتى أطلق عليهم لفظ اسم الفاعل المشعر بالثبوت، وأهل الرحمة مبرؤون من ذلك، لأن وصف الرحمة ينافى الثبوت على المخالفة، بل إن خالف أحدهم في مسألة، فإنما يخالف فيها تحريًا لقصد الشارع فيها، حتى إذا تبين له الخطأ فيها، راجع نفسه، وتلافى أمره، فخلافه في المسألة بالعرض لا بالقصد الأول، فلم يكن وصف الاختلاف لازمًا ولا ثابتًا، فكان التعبير عنه بالفعل الذى يقتضى العلاج والانقطاع أليق في الموضع.

(1) ... النساء: 95.

(2) ... هود: 119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت