الصفحة 365 من 471

والثالث): أنا نقطع بأن الخلاف في مسائل الاجتهاد واقع ممن حصل له محض الرحمة، وهم الصحابة ومن اتبعهم بإحسان رضى الله عنهم، بحيث لا يصح إدخالهم في قسم المختلفين بوجه، فلو كان المخالف منهم في بعض المسائل معدودًا من أهل الاختلاف -ولو بوجه ما-، لم يصح إطلاق القول في حقه: إنه من أهل الرحمة، وذلك باطل بإجماع أهل السنة.

(والرابع) : أن جماعة من السلف الصالح جعلوا اختلاف الأمة في الفروع ضربًا من ضروب الرحمة، وإذا كان من جملة الرحمة، فلا يمكن أن يكون صاحبه خارجًا من قسم أهل الرحمة.

وبين هذين الطريقين واسطة أدنى من الرتبة الأولى وأعلى من الرتبة الثانية، وهى أن يقع الاتفاق في أصل الدين، ويقع الاختلاف في بعض قواعده الكلية، وهو المؤدى إلى التفرق شيعًا.

فيمكن أن تكون الآية تنتظم هذا القسم من الاختلاف، ولذلك صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أن أمته تفترق على بضع وسبعين فرقة، وأخبر أن هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع [1] ، وشمل ذلك الاختلاف الواقع في الأمم قبلنا.

ويرشحه وصف أهل البدع بالضلالة وإيعادهم بالنار وذلك بعيد من تمام الرحمة.

وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى أن المراد بالمختلفين في الآية أهل البدع، وأن من رحم ربك أهل السنة.

ولكن لهذا الكتاب أصل يرجع إلى سابق القدر لا مطلقًا، بل مع إنزال القرآن محتمل العبارة للتأويل، وهذا مما لابد من بسطه.

فاعلموا أن الاختلاف في بعض القواعد الكلية لا يقع في العادة الجارية بين المتبحرين في علم الشريعة، الخائضين في لجتها العظمى، العالمين بمواردها ومصادرها، والدليل على ذلك اتفاق العصر الأول وعامة العصر الثانى على ذلك، وإنما وقع اختلافهم في القسم المفروغ منه آنفًا.

بل كان خلاف على الوصف المذكور وقع بعد ذلك، فله أسباب ثلاثة قد تجتمع وقد تفترق.

(1) ... تقدَّم تخريجهما: ص22، 142، 237، 383.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت