الصفحة 378 من 471

وأما على رواية من قال في حديثه:"كلها في النار إلا واحدة"، فإنما يقتضى إنفاذ الوعيد ظاهرًا، ويبقى الخلود وعدمه مسكوتًا عنه، فلا دليل فيه على شىء مما أردنا، إذ الوعيد بالنار قد يتعلق بعصاه المؤمنين كما يتعلق بالكفار على الجملة، وإن تباينا في التخليد وعدمه [1] .

4-المسألة الرابعة

أن هذه الأقوال المذكورة آنفًا مبنية على أن الفرق المذكورة في الحديث هى المبتدعة في قواعد العقائد على الخصوص، كالجبرية، والقدرية، والمرجئة، وغيرها، وهو مما ينظر فيه، فإن إشارة القرآن والحديث تدل على عدم الخصوص، وهو رأى الطرطوشى.

وفى حديث الخوارج ما يدل عليه، فإنه ذمهم بعد أن ذكر أعمالهم، وقال في جملة ما ذمهم به:"يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم"، فذمهم بترك التدبر والأخذ بظواهر المتشابهات، كما قالوا: حَكَّم (الرجال) فى دين الله، والله يقول: { إن الحُكم إلا للهِ } [2] .

(1) ... قال ابن تيمية في الفتاوى 7/218: ومن قال: إن الثنتين وسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفرًا ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضى الله عنهم، بل وبإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة، فليس فيهم من كفر كل واحد من الثنتين وسبعين فرقة، وإنما يكفر بعضهم بعضًا ببعض المقالات.

(2) ... قال ذلك الخوارج لعلي بن أبي طالب -وهو الخليفة آنذاك- لما ارتضى أن يحكم الصحابة والمسلمون فيما وقع من الخلاف مع معاوية رضي الله عن الصحابة أجمعين، وقبح الخوارج المتطاولين، فرد عليهم بقوله: كلمة حق أريد بها باطل.

"فإن عليا لما كاتب معاوية وحكم الحكمين خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس، فنزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة، وأنهم عتبوا عليه فقالوا: انسلخت من قميص ألبسكه الله واسم سماك به الله، ثم انطلقت فحكمت في دين الله، ولا حكم إلا لله، فلما أن بلغ عليًا ما عتبوا عليه وفارقوه عليه، أمر فأذن مؤذن أن لا يدخل على أمير المؤمنين رجل إلا رجلًا قد حمل القرآن، فلما أن امتلأت الدار من قراء الناس دعا بمصحف إمام عظيم فوضعه بين يديه، فجعل يصكه بيده، ويقول: أيها المصحف حدث الناس! فناداه الناس فقالوا: يا أمير المؤمنين ما تسأل عنه؟ إنما هو مداد في ورق، ونحن نتكلم بما روينا منه، فماذا تريد؟ قال: أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا بيني وبينهم كتاب الله، يقول الله تعالى في كتابه في امرأة ورجل { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما } فأمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم دما وحرمة من امرأة ورجل، ونقموا علىّ أن كاتبت معاوية كتبت علي بن أبي طالب، وقد جاءنا سهيل بن عمرو ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحدييية حين صالح قومه قريشًا، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: لا اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال: كيف تكتب؟ قال: أكتب باسمك اللهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب، فكتب، فقال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال: لو أعلم أنك رسول الله لم أخالفك، فكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله قريشًا، يقول الله تعالى في كتابه { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } فبعث إليهم عبد الله بن عباس فخرجت معه حتى إذا توسطت عسكرهم ... ..فواضعوا عبد الله الكتاب ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف كلهم تائب فيهم ابن الكواء حتى أدخلهم على علي الكوفة"... (عن البداية والنهاية لابن كثير: أحداث سنة: سبع وثلاثين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت