وهذا التعديد بحسب ما أعطته المنة في تكليف المطابقة للحديث الصحيح، لا على القطع بأنه المراد، إذ ليس على ذلك دليل شرعى، ولا دل العقل أيضًا على انحصار ما ذكروه في تلك العدة من غير زيادة ولا نقصان، كما أنه لا دليل على اختصاص تلك البدع بالعقائد.
وقال جماعة من العلماء: أصول البدع أربعة، وسائر الثنتين والسبعين فرقة عن هؤلاء تفرقوا، وهم: الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة.
قال يوسف بن أسباط: ثم تشبعت كل فرقة ثمان عشرة فرقة، فتلك ثنتان وسبعون فرقة، والثالثة والسبعون هى الناجية.
وهذا التقدير نحو من الأول ويَرِد عليه من الإشكال ما وَرَدَ على الأول.
فشرح ذلك الشيخ أبو بكر الطرطوشى رحمه الله شرحًا يقرب الأمر، فقال: لم يُرد علماؤنا بهذا التقدير: أن أصل كل بدعة من هذه الأربع تفرقت وتشعبت على مقتضى أصل البدع حتى حصلت تلك العدة، فإن ذلك لعله لم يدخل في الوجود إلى الآن.
فإن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد بتفرق أمته أصول العقائد التى تجرى مجرى الأجناس للأنواع، والمعاقد للفروع، لعلهم -والعلم عند الله- ما بلغوا هذا العدد إلى الآن، غير أن الزمان باق والتكليف قائم والخطرات متوقعة، وهل قرن أو عصر يخلو إلا وتحدث فيه البدع؟!
وإن كان أراد بالتفرق كل بدعة حدثت في دين الإسلام مما لا يلائم أصول الإسلام ولا تقبلها قواعده، من غير التفات إلى التقسيم الذى ذكرنا، كانت البدع أنواعًا لأجناس، أو كانت متغايرة الأصول والمبانى.
فهذا هو الذى أراده عليه السلام -والعلم عند الله-، فقد وجد من ذلك عدد كثير من اثنتين وسبعين.
ووجه صحيح الحديث على هذا أن يخرج من الحساب غلاة أهل البدع، ولا يعدون من الأمة ولا في أهل القبلة.
هذا ما قال الطرطوشى رحمه الله تعالى، وهو حسن من التقرير، غير أنه يبقى للنظر في كلامه مجالان.