الصفحة 409 من 471

وخرج أبو داود عن أبى ذر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) [1] .

فاختلف الناس في معنى الجماعة المرادة في هذه الأحاديث على خمسة أقوال:

أحدها: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام، وممن قال بهذا أبو مسعود الأنصارى وابن مسعود. فروى أنه لما قتل عثمان، سئل أبو مسعود الأنصارى عن الفتنة، فقال: عليك بالجماعة، فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على ضلالة، واصبر حتى يستريح أو يستراح من فاجر. وقال: إياك والفرقة، فإن الفرقة هى الضلالة.

وقال ابن مسعود: عليكم بالسمع والطاعة، فإنها حبل الله الذى أمر به ثم قبض يده وقال: إن الذين تكرهون في الجماعة خير من الذين تحبون في الفرقة [2] .

فعلى هذا القول يدخل في الجماعة مجتهدوا الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها، ومن سواهم داخلون في حكمهم، لأنهم تابعون لهم، ومقتدون بهم، فكل من خرج عن جماعتهم، فهم الذين شذوا، وهم نهبة الشيطان، ويدخل في هؤلاء جميع أهل البدع، لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة، لم يدخلوا في سوادهم بحال.

والثانى: أنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين، فمن خرج مما عليه علماء الأمة، مات ميتة جاهلية، لأن جماعة الله العلماء، جعلهم حجة على العالمين، وهم المعنيون بقوله عليه السلام: (إن الله لن يجمع أمتى على ضلالة) ، وذلك أن العامة عنها تأخذ دينها، وإليها تفزع من النوازل، وهى تبع لها، فمعنى قوله: (لن تجتمع أمتى) : لن يجتمع علماء أمتى على ضلالة.

(1) ... صحيح: رواه أبو داود (4758) والحاكم (1/117) وأحمد، ورواه الحاكم (1/117) من حديث ابن عمر، وانظر ما تقدم في المسألة الرابعة عشرة و ص410.

(2) ... رواه ابن أبي شيبة في المصنف (7/474 ط. الرشد) وابن عبد البر في التمهيد (21/273) ، وعزاه الهيثمي في المجمع للطبراني (7/328) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت