وأيضًا فإن النفوس قد تمل وتسأم من الدوام على العبادات المرتبة، فإذا جدد لها أمر لا تعهده، حصل لها نشاط آخر لا يكون لها مع البقاء على الأمر الأول ولذلك قالوا: (لكل جديد لذة) [1] .
فى حديث معاذ بن جبل رضى الله عنه: فيوشك قائل أن يقول ما هم بمتبعىَّ فيتبعونى وقد قرأتك القرآن فلا تتَّبعُنِّى حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة [2] .
وقد تبين بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات، فكل ما اخترع من الطرق في الدين مما يضاهى المشروع ولم يقصد به التعبد فقد خرج عن هذه التسمية.
وأما الحد على الطريقة الأخرى فقد تبين معناه إلا قوله: يقصد بها ما يقصد بالطريقة الشرعية.
ومعناه أن الشريعة جاءت لمصالح العباد في عاجلتهم وآجلتهم لتأتيهم في الدارين على أكمل وجوهها، فهو الذى يقصده المبتدع ببدعته. لأن البدعة إما أن تتعلق بالعادات أو العبادات، فإن تعلقت بالعبادات فإنما أراد بها أن يأتى تعبده على أبلغ ما يكون في زعمه ليفوز بأتم المراتب في الآخرة في ظنه، وإن تعلقت بالعادات فكذلك، لأنه إنما وضعها لتأتى أمور دنياه على تمام المصلحة فيها.
وقد ظهر معنى البدعة وما هى في الشرع والحمد لله [4] .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[4] ... وقد رجَّح الشاطبى رحمه الله تعالى هذا التعريف الذى يقول بدخول البدع في العادات والمعاملات، حيث قال:
(1) ... قوله: لكل جديد لذة: فالبدعة شىء جديد فيكون لها لذة واستحسان حتى تتمكن من المبتدع ويصير داعيًا لها، فيقبل عليها الناس كما يقبلون على كل جديد وهكذا تنتشر البدع كما تنتشر الحقائق ما لم يكن هناك أهل حق يفندونها ويعلمون الناس الحق.
(2) ... أخرجه أبو داود (4611) وعبد الرازق في المصنف (20750) واللفظ له. انظر تحقيق الهلالى للاعتصام 1/55. وهو حديث صحيح موقوف.