إن المصالح التى تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها، وليس للعبد بها علم إلا من بعض الوجوه والذى يخفى عليه منها أكثر من الذى يبدو له، فقد يكون ساعيًا في مصلحة من وجه لا يوصله إليها، أو يوصله إليها آجلًا لا عاجلًا، أو يوصله إليها ناقصة لا كاملة، أو يكون فيها مفسدة تُرْبَى في الموازنة على المصلحة، فلا يقوم خيرها بشرها، وكم من مدبر أمرًا لا يتم على كماله أصلًا، ولا يجنى منه ثمرة أصلًا وهو معلوم مشاهد بين العقلاء، فلهذا بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين فإذا كان كذلك فالرجوع إلى الوجه الذى وضعه الشارع رجوع إلى وجوه حصول المصلحة والتخفيف على الكمال، بخلاف الرجوع إلى ما خالفه، وهذه المسألة بالجملة فرع من فروع موافقة قصد الشارع أو مخالفته.
ومن جهة تصور الدار الأخرى وكونها آتية فلا بد وأنها دار جزاء على الأعمال، فإن الذي يدركه العقل من ذلك مجرد الإمكان أن يشعر به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويقول الشاطبى فى (الموافقات 2/44) :
المصالح الدنيوية لا يتخلص كونها مصالح محضة وأعنى بالمصالح ما يرجع إلى قيام حياة الإنسان وتمام عيشه ونَيْله ما تقتضيه أوصافه الشهوانية والعقلية على الإطلاق، حتى يكون منعمًا على الإطلاق، وهذا في مجرد الاعتياد لا يكون، لأن تلك المصالح مشوبةً بتكاليف ومشاق، قلت أو كثرت، تقترن بها أو تسبقها أو تلحقها، كالأكل والشرب، واللبس والسكنى والركوب، والنكاح، وغير ذلك فإن هذه الأمور لا تنال إلا بكد وتعب.
كما أن المفاسد الدنيوية ليست بمفاسد محضة، إذ ما من مفسدة تفرض في العادة الجارية إلا ويقترن بها إذ يسبقها أو يلحقها الرفق واللطف ونيل اللذات كثير.