ويدلك على ذلك ما هو الأصل، وذلك إن هذه الدار وضعت على الامتزاج بين الطرفين والاختلاط بين القبيلين، فمن رام استخلاص جهة فيها لم يقدر على ذلك وبرهانه التجربة التامة من جميع الخلائق، وأصل ذلك الإخبار بوضعها على الابتلاء والاختبار والتمحيص، قال تعالى { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } [1] وقال
ولا يغترن ذو الحجى بأحوال الفلاسفة المدعين لإدراك الأحوال الأخروية بمجرد العقل، قبل النظر في الشرع، فإن دعواهم بألسنتهم في المسألة بخلاف ما عليه الأمر في نفسه. لأن الشرائع لم تزل واردة على بني آدم من جهة الرسل. والأنبياء أيضًا لم يزالوا موجودين في العالم وهم أكثر. وكل ذلك من لدن آدم عليه السلام إلى أن انتهت بهذه الشريعة المحمدية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى: { ليبلوكم أيكم أحسن عملًا } [2] وما في هذا المعنى، وقد جاء في الحديث (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات) [3] فلهذا لم يخلص في الدنيا لأحد جهةٌ خاليةٌ من مشاركة الجهة الأخرى.
فى حاشية الموافقات 2/45:
(حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات) الحديث
طبعت النفوس على داعية حب الراحة والانغماس في اللذائذ، ولكن المعالى والشرف لا تنال إلا باقتحام مصاعب هذه الحياة والخوض في معامع الأخطار، فساعدة الأرواح تكون على قدر ما تحتمل من المتاعب وتقاسيه من آلام مخالفة، الهوى وقد رسم الشارع لها في هذا السبيل حدودًا حجر عليها أن تتعداها، وفوض ما يعدو ذلك إلى همم المكلفين ليتسابقوا في مقابلة الدواعى الزائفة ومصارعة ما يلاقونه من الشدائد.
(1) ... الأنبياء: 35.
(2) ... تبارك: 2.
(3) ... رواه مسلم (2822) من حديث أنس، والترمذى (2559) .