الصفحة 58 من 471

غير أن الشريعة كانت إذا أخذت في الدروس بعث الله نبيًا من أنبيائه يبين للناس ما خلقوا لأجله وهو التعبد لله. فلا بد أن يبقى من الشريعة المفروضة -ما بين زمان أخذها في الاندراس وبين إنزال الشريعة بعدها -بعض الأصول المعلومة.

فأتى الفلاسفة إلى تلك الأصول فتلقفوها أو تلقفوا منها، فأرادوا أن يُخَرِّجوه على مقتضى عقولهم، وجعلوا ذلك عقليًا لا شرعيًا، وليس الأمر كما زعموا.

فالعقل غير مستقل البتة، ولا ينبني على غير أصل، وإنما ينبني على أصل متقدم مُسلَّم على الإطلاق. ولا يمكن في أحوال الآخرة قِبَلهم أصل مسلم إلا من طريق الوحي. ولهذا المعنى بسط سيأتي إن شاء الله.

فعلى الجملة، العقول لا تستقل بإدراك مصالحها دون الوحي. فالابتداع مضاد لهذا الأصل، لأنه ليس له مستند شرعي بالفرض، فلا يبقى إلا ما ادعوه من العقل. فالمبتدع ليس على ثقة من بدعته أن ينال بسبب العمل بها ما رام تحصيله من جهتها، فصارت كالعبث. هذا إن قلنا: إن الشرائع جاءت لمصالح العباد.

وأما على القول الآخر، فأحرى أن لا يكون صاحب البدعة على ثقة منها، لأنها إذ ذاك مجرد تعبد وإلزام من جهة الآمر للمأمور. والعقل بمعزل عن هذه الخطة حسبما تبين في علم الأصول. وناهيك من نحلة ينتحلها صاحبها في أرفع مطالبه لا ثقة بها، ويلقي من يده ما هو على ثقة منه.

( والثاني: أن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان، لأن الله تعالى قال فيها: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } [1] .

(1) ... المائدة: 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت