الصفحة 62 من 471

والمبتدع قدم هوى نفسه على هدى الله فكان أضل الناس وهو يظن أنه على هدى.

وقد انجَّر هنا معنى يتأكد التنبيه عليه، وهو أن الآية المذكورة عينت للاتباع في الأحكام الشرعية طريقين:

أحدهما: الشريعة، ولا مرية في أنها علم وحق وهدى، والآخر: الهوى وهو المذموم، لأنه لم يذكر في القرآن إلا في سياق الذم، ولم يجعل ثم طريقًا ثالثًا. ومن تتبع الآيات، ألفى ذلك كذلك. ثم العلم الذي أحيل عليه والحق الذي حمد إنما هو القرآن وما نزل من عند الله، كقوله تعالى: { قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين } وقال بعد ذلك: { أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم } [1] وقال: { قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين } [2] . وهذا كله لاتباع أهوائهم في التشريع بغير هدى من الله، وقال: { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } [3] .

وهو اتباع الهوى في التشريع، إذ حقيقته افتراء على الله. وقال: { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله } [4] أي لا يهديه دون الله شيء. وذلك بالشرع لا بغيره وهو الهدى.

وإذا ثبت هذا وأن الأمر دائر بين الشرع والهوى، تزلزلت قاعدة حكم العقل المجرد، فكأنه ليس للعقل في هذا الميدان مجال إلا من تحت نظر الهوى، فهو إذًا اتباع الهوى بعينه في تشريع الأحكام.

(1) ... الأنعام: 144.

(2) ... الأنعام: 140.

(3) ... المائدة: 103.

(4) ... الجاثية: 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت