ودع النظر العقلي في المعقولات المحضة فلا كلام فيه هنا، وإن كان أهله قد زلوا أيضًا بالابتداع فإنما زلوا من حيث ورود الخطاب ومن حيث التشريع، ولذلك عذر الجميع قبل إرسال الرسل، أعني في خطئهم في التشريعات والعقليات، حتى جاءت الرسل فلم يبق لأحد حجة يستقيم إليها { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } [1] ولله الحجة البالغة. فهذه قاعدة ينبغي أن تكون من بال الناظر في هذا المقام، وإن كانت أصولية فهذه نكتتها مستنبطة من كتاب الله. أهـ.
فصل: في ذم البدع من جهة النقل
وأما النقل فمن وجوه:
أحدها: ... ما جاء في القرآن الكريم مما يدل على ذم من ابتدع في دين الله في الجملة.
( فمن ذلك قوله تعالى: { هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ما يعلم تأويله إلا الله } [2] ، فهذه الآية من أعظم الشواهد، وقد جاء في الحديث تفسيرها: فصح من حديث عائشة رضى الله عنها أنها قالت: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله: { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } قال:(فإذا رأيتهم فاعرفيهم) .
وصح عنها أنها قالت:"سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية { هو الذى أنزل عليك الكتاب } إلى آخر الآية، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) [3] ."
(1) ... النساء: 165.
(2) ... آل عمران: 7.
(3) ... رواه مسلم (2665) والترمذى (2994) والدارمى (1/66) والبخارى (4547) .