الصفحة 95 من 471

وعن أيوب السختيانى، قال:"ما ازداد صاحب بدعة اجتهادًا، إلا ازداد من الله بعدًا". ويصحَّح هذا النقل ما أشار إليه الحديث الصحيح في قوله - صلى الله عليه وسلم - في الخوارج: (يخرج من ضئضىء هذا قوم تْحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم ... .) إلى أن قال: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمَّية) [1] .

فبين أولًا اجتهادهم، ثمَّ بيَّن آخرًا بُعْدَهم من الله تعالى، وهو بيِّن أيضًا من جهة أنه لا يُقبل منه صرف ولا عدل كما تقدم، فكل عمل يعمله على البدعة، فكما لو لم يعمله.

وقد ثبت النقل (الصحيح الصريح) بأنه لا يقرَّب إلى الله إلا العمل بما شرع، وعلى الوجه الذى شرع -وهو تاركه- وأن البدع تحبط الاعمال -وهو ينتحلها-.

وأما أن البدع مظِنًّة إلقاء العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام:

فلأنها تقتضى التفرُّق شيعًا، وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم، حسبما تقًّدم في قوله تعالى: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات } [2] ، وما أشبه ذلك من الآيات في هذا المعنى.

وقد بيًّن - صلى الله عليه وسلم - أن فساد ذات البَيْن هى الحالقة، وأنها تحلق الدين [3] وجميع هذه الشواهد تدلُّ على وقوع الافتراق والعداوة عند وقوع الابتداع.

وأول شاهد عليه في الواقع قصة الخوارج، إذ عادَوا أهل الإسلام حتى صاروا يقتلونهم ويدعون الكفار، كما أخبر عنه الحديث الصحيح [4] .

وأما أنها مانعة من شفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم -:

(1) ... أخرجه البخارى (3344) ومسلم (1064 نووى) من حديث ابى سعيد الخدرى، وتقدم قريبًا.

(2) ... آل عمران: 105.

(3) ... أخرجه أبو داود (4919) ، والترمذى (2509) ، من حديث أبى الدرداء، وهو صحيح.

(4) ... رواه مسلم (1064) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت