والحقيقة أنّ رضوخ المجتمع الدّوليّ لإيران لا ينبع من خطورة امتلاك ايران للسّلاح النّوويّ, بل يتعداه لخطورة امتلاك ايران القرار السّياسيّ الذي يخوّلها من استخدام هذا السّلاح المدمّر، فدُول النّادي النّووي اتّفقت على أنّ السّلاح النّوويّ سلاحُ ردعٍ لا يجوز استخدامه في الحروب إطلاقًا, لتأثيراته الكارثيّة على البشريّة, ولهذا لم يُستخدم هذا السّلاح منذ إلقاء القنبلتين على هيروشيما وناجازاكي 1945، فباكستان مثلًا دولةٌ تمتلك السّلاح النّوويّ ولكنّها مكبّلة ولا تمتلك القرار السّياسيّ اللاّزم لاستخدامه في أيّ حربٍ مع الهند إلّا إذا استُخدم ضدّها، ولذلك هو سلاحٌ يُصنع ليوضع في المخازن ليقوم بوظيفة"الردع", ولتقريب الصّورة أكثر أقول أنّ الجّميع يذكر الحدّة والغطرسة التي عاملت بها أمريكا كوريا الشّمالية في محاولة ابتزازها في موضوع قطع المساعدات الاقتصاديّة, ولكن عندما ظهرت صور قضبان اليورانيوم المخصّب في أحد المفاعلات النّوويّة الكوريّة أسقط في أيدي الأمريكان, وبدأت نغمةٌ دبلوماسيّة جديدة تتميّز بالودّ والاحترام في مخاطبة المسؤولين الكوريّين, ومحاولة استمالتهم للجلوس على طاولة المفاوضات! وهذا الرّضوخ الأمريكيّ المفاجأ ليس بسبب امتلاك كوريا للسلاح النّوويّ فقط, بل لامتلاكها القرار السّياسيّ الذي يخوّلها من استخدامه كدولةٍ خارج المسار الأمريكيّ, وهو السّيناريو المشابه للمشهد الإيرانيّ هنا ..
إذن إيران ستلقي بالقنابل الثّلاثة -وفي العدد ثلاثة دلالةٌ على أنّها تحتفظ بالكثير من هذه القنابل- كي تحصل على الردع لتفكيك التّحالف الأمريكيّ و لتثبت واقعًا معينًا وهو احتلال الكويت والبحرين ثم تتفاوض على أساسه, وأعتقد أنّ المفاوضات ستخرج باتفاق حول فتح المضيق أمام السّفن التجاريّة فقط, وضمان سلامة الملاحة في مياه الخليج وضمان وصول امدادات النّفط, ووضع جدولٍ زمنيّ لانسحاب القوّات الإيرانيّة من الكويت والبحرين، وهذه الاتفاقيّة تبدوا للوهلة الأولى مُرضية للمجتمع الدوليّ, ولكنّها في حقيقتها قد وضعت منطقة الخليج العربيّ تحت الوصاية الإيرانيّة عمليًّا وبمباركة الأمم المتّحدة والقُوى العظمى. . ولكن كيف حدث ذلك؟
الذي يدقّق في النقّاط السّابقة يرى أنّها كرّست الهيمنة الإيرانيّة على مياه الخليج وذلك بِجعلها مفتوحةً أمام الملاحة التجاريّة, ومغلقةً أمام الأساطيل العسكريّة من خارج الدول المطلّة على الخليج, وهنا يتحقّق الهدف الإستراتيجيّ الأوّل من هذه المرحلة بجعل الخليج تحت السّيادة الفارسيّة لتكون العبارة أصدق في وصفه بالخليج الفارسيّ!