فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 119

ومن أخلص دينه لله حقا, كان الحق مطلبه ومقصده. أما من كان لا يقبل الحق إلا من خاصته أو من يهوى من فرد أو طائفة فإخلاصه مدخول.

وهنا نتمثل من لطيف كلام ابن القيم - رحمه الله - في آخر كتابه المدارج: (فيا أيها القارئ له: لك غنمه, وعلى مؤلفه غرمه, لك ثمرته, وعليه تبعته, فما وجدت فيه من صواب وحق: فاقبله, ولا تلتفت إلى قائله, بل انظر إلى ما قال لا إلى من قال) [1] .

و الحق عندنا هو الأصل المحفوظ: لا يبطله علو الباطل وانتفاشه, ومهما اشتدت وطأة الباطل على الحق وأهله: لا يتحول الخطأ إلى صواب, ولا تتحول البدعة إلى سنة, كما لا يتحول الكفر إلى إيمان. وبالمقابل يظل الصواب والسنة- فضلا عن الإيمان-: أصولا محفوظة راسخة كالشم الراسيات, مكانَها من ابتغاها وجدها, رغم أنف الباطل وأهله. ومما قيل للإمام أحمد أيام المحنة: يا أبا عبد الله ألا ترى الحق كيف ظهر عليه الباطل؟ فقال الإمام الرباني: (كلا, إن ظهور الباطل على الحق: أن تنتقل القلوب من الهدى إلى الضلالة, وقلوبنا بعد: لازمة للحق) [2] .

و أنَّى للحق أن يزول أو يحول وهو مستمد من"الحق"سبحانه. قال - سبحانه وتعالى: {فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ... } الآية [3] . وقال - سبحانه وتعالى: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} [4] . قال القرطبي - رحمه الله: (أي لا بقاء له, والحق الذي يثبت) [5] اهـ. والحق حق أبدا.

بل إن الله - سبحانه وتعالى - بلطيف صنعه, وببديع حكمته التي تعجز العقول, يسلط الباطل على الحق تسليطا قدريا, ويقيمه في وجهه, لينكشف وجهه القبيح, فيزهق و يضمحل. فتكون هذه المواجهة والمعارضة من الباطل للحق: من أعظم أسباب هداية الخلق للحق ولله الحكمة البالغة, وبضدها تتبين الأشياء. فلولا الليل ما عرف فضل النهار. فلله الحمد على ذلك. قال - سبحانه وتعالى: {وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون} [6] .

ورغم أن صفات الحق كما ذكرنا وكما أودعها الله فيه, إلا أنه كما قال الغزالي - رحمه الله: (وعلى الجملة فلا يميل أكثر الخلق إلا إلى الأسهل والأوفق لطباعهم, فإن الحق: مر, والوقوف عليه: صعب, وإدراكه: شديد, وطريقه: مستوعر) [7] اهـ. ومع هذا كله كما قال ابن حزم - رحمه الله: (الحق: حق وإن استقبحه الناس, والباطل: باطل وإن استحسنه الناس) [8] . {و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون} [9] .

ومن ثمّ و جب الرجوع إلى الحق .. وقد نقل ابن عبد البر - رحمه الله - الإجماع على ذلك فقال: (أجمع العلماء أن الجور البين و الخطأ الواضح المخالف للإجماع والسنة الثابتة المشهورة التي لا معارض لها: مردود على كل من قضى به) [10] . ولما اجتمع أبو يوسف بمالك - رحمهما الله - فسأله عن الصاع وصدقة الخضروات ومسألة الأجناس, فأخبره مالك بما تدل عليه السنة في ذلك. قال: رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع إلى قولك كما رجعت) [11] اهـ. وعن عمرو بن مهاجر-رحمه اللهقال: قال لي عمر بن عبد العزيز - رحمه الله: (إذا رأيتني قد ملت عن الحق: فضع يدك في تلبابي ثم هزني ثم قل: يا عمر, ما تصنع؟) [12] . وقد اتفقت كلمة أهل العلم على ذم

(1) مدارج السالكين [3/ 522]

(2) سير أعلام النبلاء [11/ 238]

(3) الرعد [17]

(4) الإسراء [81]

(5) تفسير القرطبي [10/ 315]

(6) الأعراف [117_122]

(7) الإحياء للغزالي [1/ 75]

(8) الإحكام لابن حزم [6/ 193]

(9) يوسف [21]

(10) فتح الباري [13/ 317]

(11) الفتاوى لابن تيمية [20/ 211]

(12) الحلية [5/ 292] , صفة الصفوة [2/ 122]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت