فهرس الكتاب
التعصب والتشنيع عليه, ورأس التعصب عدم الرجوع إلى الحق, إصرارا على التمسك بالباطل بعد تبينه, انتصارا للنفس, أو من تهوى من فرد أو طائفة.
وبعد هذا البيان نقول:
إن المراد بالعلم عند سلفنا الصالح: العلم بدين الله - سبحانه وتعالى - وشرعه قولا وعملا واعتقادا. وأصول هذا العلم المنزل: الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة - رضي الله عنهم - والإجماع ثم القياس بعد - بشرطه - على تلك الأصول. قال - سبحانه وتعالى: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون} [1] فنصت الآية على أن الذين أوتوا العلم هم الذين أوتوا القرآن, علما وفهما وحفظا. فكانت الآية نصا في كون"العلم"هو العلم المنزل من الكتاب والسنة لا غير. وأن أهل العلم هم أهل هذا"العلم المنزل"لا غيرهم قال - سبحانه وتعالى: {ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين} [2] . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهم - قال: [العلم ثلاثة: فما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة وسنة قائمة وفريضة عادلة] [3] . ولا يعدل أحد عن هذه المصادر الشرعية إلى غيرها, إلا لجهل أو عجز أو غرض فاسد. قال ابن عبد البر - رحمه الله: (لا أعلم بين متقدمي علماء هذه الأمة وسلفها, خلافا أن الرأي: ليس بعلم حقيقة, وأفضل ما روي عنهم في الرأي أنهم قالوا: نعم وزير العلم: الرأي الحسن) [4] .
ولما بعد العهد بهذا العلم, آل الأمر بكثير من الناس إلى أن اتخذوا هواجس الأفكار, وسوانح الخواطر والآراء علما, ووضعوا فيها الكتب وملأوا بها الصحف مدادا, والقلوب سوادا. وحسبوا أن ليس في القرآن والسنة: علما. فانسلخت - بهذا الحسبان - القلوب من العلم كانسلاخ الثوب عن لابسه. و يكفي أن ترى ما هم فيه من التناقض والاختلاف
(1) العنكبوت [49]
(2) البقرة [145]
(3) المستدرك [4/ 369] , ابن ماجة [1/ 21]
(4) جامع بيان العلم [2/ 33]