فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 119

بالباطل؟ إن سلمت له دنياه فلا يبالي بما جرى للدين, ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه وماله ... استعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه.

أما العلماء العاملون, القائمون بأمر الله, الصادعون بالحق, الذين لا يخافون في الله لومة لائم ولو كان في ذلك حتفهم, فالتعويل - بعد الله- عليهم. وهم أهل الحل والعقد في الأمة, تنقاد لسلطانهم القلوب, لأن سلطان العلم حاكم بإطلاق, وأهله حكام على الخلائق أجمعين, قضاء أو فتيا أو إرشادا ... فهم أولوا الأمر على التحقيق, إذ أن العلم شرط الولاية, كما كان عليه الحال زمن النبوة والخلافة الراشدة. وهذا هو الأصل الذي ترد إليه الأمور, والأصل الذي يجب أن ترد إليه الأمة. وهذا الأصل مبني على عموم رسالته - صلى الله عليه وسلم - بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم, وأنه لم يحوج أمته إلى أحد بعده. وإنما حاجتهم إلى من يبلغهم عنه ما جاء به, وهم ورثته .. العلماء العاملون. فحقهم أن يجعلوا متبوعين لا تابعين, كيفما كان هذا المبرر, ومن أعظم واجبات الوقت: تحرير العلماء العاملين من وطأة من ينحرف بهم إلى غير سبيل القيام بأمر الله رغبا ورهبا. وما لا يدرك كله, يدرك منه المستطاع, وهذا المستطاع هو الواجب حينئذ. وقد روى ابن عبد البر عن هلال بن حباب قال: (قلت لسعيد بن جبير: يا أبا عبد الله: ما علامة هلاك الناس؟ قال: إذا هلك فقهاؤهم هلكوا) [1] .

وأساس كل ما ذكرنا, من معالم الحق والعلم وأهله, وبيان حقيقة ذلك وفضله, وفضل القائمين به: الاعتصام بالكتاب والسنة علما وعملا, قال - سبحانه وتعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [2] قال القرطبي - رحمه الله: (فأوجب - سبحانه وتعالى - علينا التمسك بكتابه, وسنة نبيه, والرجوع إليهما عند الاختلاف, وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة: اعتقادا وعملا ... ) [3] اهـ. وقد قال - صلى الله عليه وسلم: [تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -] [4] . ولا يخفى أن شَرطَي القبول للأعمال: الإخلاص والمتابعة. قال - صلى الله عليه وسلم: [من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد] . وأركان هذا الاعتصام ثلاثة: الكتاب والسنة ثم اتباع ما كان عليه السلف الصالح من العلم والعمل. قال - سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله و رسوله} [5] وقال - سبحانه وتعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [6] . وقال الإمام مالك - رحمه الله: (السنة سفينة نوح من ركبها نجا, ومن تخلف عنها هلك) [7] . أما اتباع ما عليه السلف من العلم والعمل, هو حقيقة الاعتصام بالكتاب والسنة, وذلك أن النصوص قد تُؤوَّل, وقد تُصرف عن وجهها. وما من زائغ عن الحق, إلا وهو يتكلف الاستدلال على باطله بالكتاب والسنة. فكان هذا الركن - إتباع ما عليه السلف - المصدِّق أو المكذِّب لدعوى الاتباع, والمحك الحقيقي لهذه الدعوى. ومن ثم لا ننطلق من قواعد متكلفة كاسدة, أو مناهج آرائية باطلة يحاكم لها الوحي ويخضع. كما لا ننطلق من ضغط الواقع الذي أثقل الكواهل, إنما ننطلق في فهم نصوص الوحيين, من اتباع ما كان عليه السلف الصالح من العلم والعمل, فهو المصحح والمقوم للأفهام, والرافع للنزاع عند وجوده. وقد فسر السلف الصراط المستقيم وأهله: بأبي بكر وعمر وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و - رضي الله عنهم -. قال ابن القيم - رحمه الله: (وهو كما فسروه, فإنه صراطهم الذي كانوا عليه, وهو عين صراط نبيهم وهم الذين أنعم الله عليهم, وغضب على أعدائهم وحكم لأعدائهم بالضلال) [8] اهـ. وقال الإمام مالك - رحمه الله: (بلغني

(1) جامع بيان العلم [1/ 37]

(2) آل عمران [103]

(3) تفسير القرطبي [4/ 164]

(4) الحاكم [1/ 171] , الإحكام لابن حزم [6/ 243] , و رواه الإمام مالك في الموطأ [899] .

(5) الحجرات [1]

(6) النساء [115]

(7) الفتاوى لابن تيمية [4/ 57,137] .

(8) مدارج السالكين لابن القيم [1/ 72 - 73]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت