عجلتم علينا عجلتَينَ عليكمُ ... وما يشأ الرحمن يَعقد ويطلق
فجاء بهذا الاسم الكريم، وهذا الاسم لا شك أنه اسم عربي، ولا صحة لقول من يقول إنه اسم غير عربي، وأنه في الأصل (رخمن) بالخاء، هذا لا صحة له، ومما يدل على أنه عربي في الأصل الحديث القدسي: (أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسمًا من اسمي) فهذا يدل على أنه اسم عربي وأنه اسم أيضًا مشتق.
وأما (الرحيم) فهو على وزن فعيل، رحيم فعيل، ومن شأن العرب أن يحملوا أبنية الأسماء إذا كان فيها مدح أو ذم على فعيل، فيقولون: فلان رحيم عزيز كريم وما إلى ذلك.
وهذا الاسم تكرر في القرآن أكثر من الأول، حيث إنه ورد في كتاب الله عز وجل أربعة عشر ومائة مرة، بينما الرحمن ورد سبع وخمسين مرة.
ما الفرق بين الرحمن وبين الرحيم؟
العلماء يذكرون في هذا أشياء كثيرة، اذكر لكم ما أظنه أقرب وأرجح في الفرق بينهما:
فأقول: الفرق من وجوه:
أولها: أن الرحمن يدل على إثبات صفة الرحمة الذاتية لله عز وجل، الصفة صفة ذات.
ويدل على ذلك قوله تبارك وتعالى: (وربك الغني ذو الرحمة) أي الموصوف بالرحمة، صاحب الرحمة، وكذا قوله (وربك الغفور ذو الرحمة) ويقول (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة) .
وأما الرحيم فإنه يدل على إثبات صفة الرحمة الفعلية لله عز وجل المتعدية إلى المرحومين، إلى المرحوم المخلوق.
وخلاصة هذا الفرق:
أن الرحمن يدل على صفة ذات، صفة ملازمة لذات الله عز وجل ترجع إليه، أي أنه موصوف بالرحمة.
والرحيم يدل على صفة فعلية، أي أنه يرحم، يرحم المخلوقين.
هذا الوجه الأول من الفرق، وهذا إنما يقال طبعًا إذا ذكر الرحمن مع الرحيم كما في البسملة والفاتحة (الرحمن الرحيم) لكن إذا ذكر الرحمن مفردًا (الرحمن على العرش استوى) فماذا يقال؟ يقال إنه يدل على الصفة التي تعود إلى الله عز وجل صفة الرحمة كما أنه يتضمن الصفة المتعدية التي في الرحيم، فهو ذو رحمة وهي رحمة يرحم بها خلقه.
فإذا ذكر أحدهما بمفرده دل على ما يعود إلى الله عز وجل من هذه الصفة، وما يعود إلى المخلوقين أو ما يحصل بهذه الصفة من المعنى المتعدي إلى المخلوق، أي أن الله عز وجل يرحم.
إذًا الرحمة صفة ذاتية باعتبار، وهي صفة فعلية باعتبار آخر.
إذا قلت (الرحمن الرحيم) يدل على الصفة الذاتية الرحمن، وعلى الصفة الفعلية الرحيم.
وإذا قلت (الرحيم) فقط، أو (الرحمن) فقط فهذا يدل على صفة ذات وهي الرحمة وصفة فعل وهي أن الله يرحم بهذه الرحمة.
هذا الاسم الكريم نقل ابن جرير الطبري كبير المفسرين إجماع العلماء على أنه مختص بالله عز وجل، ومعنى مختص أي أنه لا يجوز أن يسمى أحد سوى الله بهذا الاسم، ما يجوز لأحد أن يسمي ولده بالرحمن أبدًا، لأن هذا من الأسماء المختصة، وقد جعله الله عز وجل نظيرًا لاسمه (الله) فقال (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن)