وأما الشكر فإنه لا يكون إلا على الأوصاف المتعدية، ولا يكون على الأوصاف اللازمة في الأصل، فتقول: أشكرك على كرمك، وأشكرك على حسن تعاملك، وأشكرك على قيامك بعملك، وأشكرك على إجادتك لهذه الصناعة، فهذه أوصاف متعدية يشكر الإنسان عليها، لكنه لا يشكر على الأوصاف اللازمة، فما تقول: أشكرك لهيبتك سواء كانت اختيارية أو غير اختيارية، غير اختيارية ما تقول: أشكرك على صباحة وجهك، وأشكرك على بياض بشرتك، وأشكرك على سواد لحيتك، ما يشكر الإنسان على هذا، وإنما يشكر على الأوصاف المتعدية فقط، المتعدية للغير التي يكون لها أثرًا على الغير.
وإذا كان الحمد باللسان مع مواطأة القلب طبعًا فإن الشكر يكون باللسان، فتعلن ذلك بلسانك، فتقول: أشكرك على هذا الفعل؛ تنطق بالشكر.
ويكون أيضًا بالقلب، فيقوم بالقلب الاعتراف والإقرار بالجميل واستحضار إنعام المنعم، فيكون القلب عامرًا بذكره والإقرار بفضله وإنعامه وجوده وإحسانه إليك، فيقوم هذا المعنى بقلبك، فيكون القلب شاكرًا لهذه النعمة.
كما يكون أيضًا بالجوارح، فيقوم العبد بالتقرب بجوارحه إلى هذا المنعم شكرًا له على نعمته، ويدل على ذلك أن الله عز وجل قال: (اعملوا آل داود شكرا) فسمى هذا العمل الذي يعملونه سماه بذلك، ويدل عليه أيضًا قول الشاعر في البيت المعروف:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
يقول: أفادتكم النعماء مني سببت هذه النعمة التي وصلتني منكم، أفادتكم النعماء مني، يعني أثرت هذا التأثير، أنها لما وقعت علي النعمة من قبلكم نتج عنها هذا الشكران.
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
يدي، أي أن صارت يدي تسعى إلى رد الجميل بخدمتكم، ولساني يلهج بهذه النعمة، وأيضًا والضمير المحجبا: أي أن ذلك يقوم بالقلب، هو لا يمدحهم تزلفًا وتقربًا ولا يقوم ذلك بقلبه وإنما قلبه عامر فهو يتواطأ لسانه مع قلبه في هذا الشكر.
فالشكر يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح.
وبعض أهل العلم يعرفون الحمد بأنه الثناء باللسان على الجميل الاختياري.
وقولهم إنه باللسان لا زالوا يدورون حول أن مورد الحمد هو اللسان، أي أنه يصدر من اللسان لا من الجوارح ولا من القلب.
وأما الجميل الاختياري يعني الفعل المستحسن الذي يكون باختيار الإنسان، مثل ما قلت لكم المدح يكون بالجميل الاختياري طبعًا بهذا الاعتبار سواء كان لازمًا أو متعديًا، لازمًا مثل ما تقول: فلان يحمد على عظمته وعلى مهابته، هذه لازمة.
والمتعدية تقول: فلان يحمد على كرمه ويحمد على إقدامه ويحمد على رحمته وشفقته على الفقراء، فيحمد على هذا ويحمد على هذا، يحمد على الحياء الذي هو صفة لازمة، ويحمد على الرحمة والكرم التي هي من الصفات المتعدية.