لكن الحياء والكرم أليست من الصفات الاختيارية، أليس كذلك؟ هي من الصفات الاختيارية، وأما صباحة الوجه وطول القامة وهيئة الإنسان التي خلقه الله عز وجل عليها من سواد وبياض وسمرة وما إلى ذلك هذا كله ليس له اختيار فيه، فعلى هذا المعنى يكون الحمد يتعلق بالجميل يصدر من اللسان على الجميل الاختياري سواء كان لازمًا أو متعديًا.
وبعض أهل العلم يقولون: الشكر هو ثناء على الله بأفعاله وإنعامه، والحمد ثناء بأوصافه، وهذا لا وجه له.
وبعضهم يقولون: لا يكون الشكر إلا على جزاء نعمة، بينما الحمد يكون جزاء كالشكر ويكون ابتداء هذا كله يحاولون التفريق به بين الحمد وبين الشكر.
فيقولون الحمد يكون على جزاء النعمة وغير النعمة، ولذلك فإن النبي - إذا وقع له ما يسره ما ذا يقول: يشكر الله عز وجل، وإذا وقع له شيء غير ذلك حمد الله على كل حال، وإذا وقع له ما يسره شكر الله على هذه النعمة.
فالحاصل أن الحمد بهذا الاعتبار يكون على الأمور التي يحبها الإنسان والتي لا يحبها فتحمد الله عز وجل على المصائب التي تقع بك، كما أنك تحمده على النعم التي يسديها إليك.
ويكون أيضًا الحمد بهذا الاعتبار يكون جزاءً كالشكر، يعني في مقابل النعمة لأنك تحمده على النعمة وتحمده على الأمور التي لا تحبها فما يقابل النعمة يكون من قبيل الشكران، فيكون في مقابل نعمة فهذا بمعنى الشكر، ويكون ابتداءً أيضًا، ابتداءً فأنت في كل حال تقوم وتقعد تقول الحمد لله يكون ابتداءً، بينما الشكر يكون بمقابل النعمة.
بعد ذلك قد يسأل بعضكم، بعد هذه الفروقات، أيها أعم؛ الشكر أو الحمد؟
فبعض أهل العلم يقولون: إن بينهما عمومًا وخصوصًا، بمعنى أن كل واحد منهما أعم من وجه وأخص من وجه آخر، فليس واحد منهما أعم من الآخر مطلقًا فنقول الحمد أعم من الشكر ونرتاح، أو نقول الشكر أعم من الحمد ونستريح، لا، الحمد أعم من بعض الجهات، وهو أخص من جهات أخرى والعكس يقال في الشكر.
فالحمد أعم من أي جهة؟ من حيث ما يقعان عليه، ليه؟ لأن الحمد يكون على الصفات اللازمة والصفات المتعدية، تقول: حمدته لكرمه، هذه متعدية أو لازمة؟ متعدية، وتقول: حمدته لفروسيته وحيائه، هذه لازمة أو متعدية؟ لازمة، فهو إذًا الحمد أعم من الشكر من جهة أنه يكون على الأوصاف اللازمة والأوصاف المتعدية، وهو أخص من الشكر من حيث الأداة التي يقع بها الحمد، ما هي الأداة؟ اللسان، هو الثناء بالقول، بينما الشكر يكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، فالشكر من هذه الحيثية أعم من الحمد.
وأيضًا الشكر لا يكون إلا على الأوصاف المتعدية، فهو أخص من الحمد من هذه الناحية، فما تقول شكرته لعظمته، وإنما تقول شكرته لكرمه، وهكذا.
وبعض أهل العلم كابن عطية يقول: إن الحمد أعم من الشكر لأن الشكر إنما يكون على فعل جميل يسدى إلى الشاكر، وشكره نوع من الحمد، والحمد المجرد هو ثناء بصفات المحمود من غير أن يسدي شيئًا، أي أنه