يحمد ابتداءً، والشكر لا يكون إلا في مقابل الإنعام، ولا شك أن هذا في بعض الوجوه قد يكون مقبولًا، إلا أن الواقع أن الحمد يكون ابتداءً ويكون في مقابل النعمة.
والحاصل أن الحمد أخص من الشكر موردًا، إذ إن مورده هو اللسان، وأعم منه متعلقًا، الشكر يكون باللسان والقلب والجوارح من حيث المورد، وأما ما يقعان عليه، ما يتعلقان به، فإن الشكر يتعلق بالنعمة، وأما الحمد فيكون متعلقًا بالنعمة وبغير النعمة.
ويؤخذ من افتتاح هذه السورة بالحمد مشروعية حمد الله عز وجل في افتتاح الكتب والرسائل والكلمات وما إلى ذلك، لأن هذه السورة افتتحت به، وهي فاتحة سور القرآن، كما أن النبي - كان من هديه إذا كتب كتابًا رسالة فإنه يفتتح ذلك بالبسملة.
بعد ذلك إذا كان هذا هو الفرق بين الحمد والشكر، وبين الحمد والثناء، وبين الحمد والتمجيد، بقي أن نعرف ما الفرق إذًا بين الحمد وبين المدح؟ وهي ألفاظ كما ترون بينها تقارب في المعنى.
فالمدح أعم من الشكر وأعم أيضًا من الحمد هو أعم من الاثنين من حيث ما يقع عليه، فإن المدح يكون على ما يقع من الإنسان على وجه التسخير، وما يقع منه على سبيل الاختيار سواء كان متعديًا أو لازمًا، فقد يمدح الإنسان بطول قامته، ويمدح ببذل ماله، ويمدح على حيائه، ويمدح على علمه، ويمدح على شجاعته، وعلى فروسيته، وهو يقع أيضًا المدح على الحي والميت والصغير والكبير، وعلى الحيوان والإنسان والنبات والجماد والزمان والمكان، تقول فلان يمدح المكان الفلاني، فلان رأى بيت فهو يمدحه، فلان يمدح السيارة الفلانية، وفلان يمدح الهواء عندهم، وفلان يمدح المطر، وفلان يمدح المزرعة أو الشجرة وهكذا، هذا هو المدح أعم من الحمد والشكر.
لكنه يكون باللسان فقط، وهل يشترط فيه مواطأة القلب؟
الجواب: لا، لا يشترط فيه موطأة القلب، إنما الذي يشترط فيه مواطأة القلب هو الحمد، وأما المدح فكما قال النبي: (إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوهم التراب) فإن المداح قد يكون يمدح بحق، وقد يكون يمدح بباطل، ومن كان يكثر المدائح فإنه مظنة، فإن فعله يكون مظنة للمدح بالباطل وبالمبالغة في الإطراء، ولذلك قال الله عز وجل عن الشعراء (والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون) ومن أسباب وصفهم بهذا هو أنهم إذا رضوا مدحوا ولو بالباطل وإذا لم يرضوا فإنهم يذمون هذا الذي لم يرضوا عنه ولو كان هذا الذم من قبيل الظلم له، فإذا رضي قال أحسن ما يجد، وإذا غضب قال أسوأ ما يجد والله المستعان.
الله عز وجل في هذه السورة قال: (الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين) وهذه الأمور التي يذكرها الله عز وجل بينها ملازمة، فما الملازمة بين الحمد وبين الملك؟
الله عز وجل يحمد نفسه عند خلقه وأمره، لينبه عباده على أن مصدر الخلق والأمر عن حمده فهو محمود على كل ما خلق وأمر به حمد شكر وعبودية وحمد ثناء ومدح، ويجمعهما كما يقول ابن القيم رحمه الله: التبارك، كما قال الله عز وجل (فتبارك الله) (ألا له الخلق والأمر فتبارك الله) وهنا في سورة الفاتحة قال:
(الحمد) عبر بالجملة الاسمية، ما قال أحمد الله رب العالمين، أو بفعل الأمر قال احمدوا الله رب العالمين، والتسبيح قال (سبح لله ما في السماوات) (سبح اسم ربك الأعلى) (يسبح لله) فجاء بالأفعال الثلاثة: