فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 94

وإذا قال العبد: (الحمد لله) فإنه بهذا يكون قد أثبت كل كمال للرب تبارك وتعالى فعلًا ووصفًا واسمًا، ونزهه عن كل عيب وسوء فعلًا ووصفًا واسمًا، فالله عز وجل محمود في أسمائه وفي ذاته وفي صفاته وفي أفعاله وفي كل شأن من شؤونه مع أنه منزه عن كل عيب ونقص، لماذا نقول هذا الكلام؟ لأن (ال) كما قلنا تدل على الاستغراق، فإذا قلت: كل المحامد لله فمعناه أنه لا يلحقه وصف نقص، وإلا تكون بعض المحامد مستحقة له، لأن المحمود يستحق من صفات الحمد، يستحق من المحامد على قدر ما فيه من أوصاف الكمال، فعلى قدر نقصه ينقص ما يضاف إليه من المحامد، فإذا قال العبد: (الحمد لله) فهو يضيف جميع المحامد لله عز وجل وهذا لا يكون البتة لمن كان يلحقه شيء من أوصاف النقائص أو ممن كان عادمًا لبعض أوصاف الكمالات، ولذلك النبي - أول ما هاجر إلى المدينة سأل بعض بطون الأنصار: (من سيدكم؟ فقالوا: فلان بن فلان على أننا نبخله) يقولون: هو سيد على أننا نبخله، يعني أننا نرميه بالبخل، فقال النبي: (وأي داء أدوا من البخل، وإنما سيدكم فلان) فإذًا هذا السيد وجد فيه صفة من صفات النقص وهي البخل، فهو بهذا ناقص، وأما من اكتمل من كل وجه وتنزه عن كل عيب ونقص، فهذا الذي له الكمال المطلق، بتحقق أوصاف الكمال فيه وللتنزه عن جميع النقائص.

هكذا نفهم من هذه الإضافة (الحمد لله) .

ولهذا كان الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله كما يقول ابن القيم رحمه الله: مع المحبة والرضا عنه والخضوع له، فلا يكون حامدًا من جحد صفات المحمود ولا من أعرض عن محبته والخضوع له، وكل ما كانت صفات المحمود أكثر كان حمده أكمل، وكل ما نقص من صفات كماله نقص من حمده بحسبها، ولهذا كان (الحمد لله) حمدًا لا يحصيه سواه، لكمال صفاته وكثرتها، ولأجل هذا لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه لما له من صفات الكمال ونعوت الجلال التي لا يحصيها سواه.

فحينما نقول: (الحمد لله) هذا الاسم الكريم عرفتم معناه، وهو أحق بالعبادة، لماذا؟ لأنه يتضمن صفة الإلهية، ومعلوم أن الله هو المألوه، يعني المعبود الذي تألهه الخلائق، أي أنها تعبده وتخضع له مع المحبة والتعظيم والإجلال، وعرفنا قبل أن هذا الاسم الكريم يدل على جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى بأنواع الدلالة الثلاث: المطابقة، والالتزام، والتضمن.

فهو يدل على إلهية الله عز وجل المتضمنة لصفات الإلهية الثابتة لله جل جلاله مع نفي أضدادها عنه، ومعلوم أن الأسماء الحسنى كما سبق تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها هذا الاسم الكريم (الله) .

ثم أيضًا هذا الاسم الكريم يدل على أن الله عز وجل هو المألوه المعبود الذي تألهه الخلائق محبة وتعظيمًا وخضوعًا وفزعًا إليه في الحوائج، وهذا يستلزم لكمال الربوبية والرحمة وهما يتضمنان كمال الملك، فمن كملت فيه هذه الأوصاف فقد كمل ملكه وكمل حمده أيضًا لكمال صفاته مع تنزهه عن النقائص.

وإلهيته وربوبيته ورحمانيته وملكه؛ كل ذلك يستلزم لصفات كماله جميعًا بلا استثناء لأنه يستحيل ذلك لمن ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا قادر كما شرح ذلك ابن القيم رحمه الله وأطال في بيانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت