فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 94

وقولنا (الحمد لله) هذه جملة خبرية، هي جملة خبرية لكنها تتضمن معنى الأمر، فكأن الله عز وجل يخبر عن اتصافه بالحمد وفي نفس الوقت هو يعلم عباده كيف يحمدونه، كما قال الله عز وجل: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى) .

وفي حديث أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - عند مسلم: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان) .

وفي حديث أنس عند مسلم: (إن الله يرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها) .

فالله يحب منّا الحمد ويثيبنا عليه ويرضى منّا ذلك، فهو حينما يقول (الحمد لله) فهو يخبرنا عن نسبة المحامد إليه سبحانه وتعالى، وهو في نفس الوقت يعلمنا أن نحمده ونضيف ذلك إليه جل جلاله.

(الحمد لله رب العالمين) رب العالمين هو خالقهم ومالكهم والمتصرف فيهم.

والرب يأتي بمعانٍ متعددة، وتأمل في هذه المعاني ثم بعد ذلك تستطيع أن تعرف هل صفة الربوبية من صفات الأفعال أو أنها من الصفات الذاتية؟

فالرب يأتي بمعنى السيد المطاع في كلام العرب كما قال لبيد:

وأهلكنا يومًا رب كندة وابنه ... ورب مَعَدٍّ بين خبتٍ وعرعرِ

ورب كندة يقصد والد امرؤ القيس، أهلكوه في هذا المكان بين خبتٍ وعرعرِ.

فالحاصل أنه قال: رب كندة؛ أي سيد كندة، فالرب هو السيد.

وكما قال النابغة:

تخب إلى النعمان حتى تنالَه ... فدىً لك من ربٍ طريفِ وتالدِ

يعني يقول: أفديك بطريفِ وتالدِ، يعني بكل أموالي القديمة والتي امتلكتها وحصلت لي حديثًا، أعطيك كل ما أملك من القديم والجديد.

فالشاهد فيه قوله: فدىً لك من ربٍ؛ يعني من سيدٍ، هذا المعنى الأول: السيد، المطاع.

والمعنى الثاني: المصلح للشيء القائم عليه المدبر له المتولي لشؤونه، كما قال الفرزدق:

كانوا كسالئة حمقاء إذ حقنت ... سلاءها في أديم غير مربوبِ

في أديم غير مربوب: يعني: الأديم معروف: الجلد، في أديم غير مربوب: يعني غير مصلح.

ومعنى سلأ السمن أي طبخه وعالجه فأذاب زبده، ومعروف أن العرب في أخبارهم في الجاهلية أن الحمس كانوا لا يسلأون ولا يأقطون، يعني أنهم لا يستخلصون من الحليب مشتقات الحليب المعروفة من الزبد والأجبان وما إلى ذلك.

لا يسلأون ولا يأقطون، ولا يصنعون منه الأقط، ما يطبخون الحليب فيصنعون منه الأقط كما هو معروف، فلا يأخذون شيئًا منه من خلاصته كالزبد ولا يطبخونه فيصنعون منه أقطًا، وإنما يبذلونه جميعًا للحجيج في الموسم، لا يسلأون ولا يأقطون، يبذلونه لهم مجانًا، فهذا الشاعر يقول:

في أديم غير مربوب: يعني غير مصلح، فالمصلح لأمور غيره الذي يربها أي يصلحها فهو يقال له في كلام العرب ربٌّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت