وأيضًا المعنى الثالث: هو المالك للشيء والمتصرف فيه، ومنه قول عبد المطلب في القصة المعروفة مع صاحب الفيل أبرهة، ما ذا قال له، قال: أنا رب الإبل، والبيت له رب يحميه، يعني أنا صاحب الإبل، أنا المالك لها، فالرب بمعنى المالك، وتقول فلان رب الدار، بمعنى مالك الدار.
إذا كان رب الدار للدف ضاربًا ... فشيمة أهل البيت ...
فالحاصل أن الرب يأتي بمعنى المالك.
ويأتي بمعنى صاحب الشيء، يمثل لذلك بقول الله عز وجل: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) فرب العزة ليس معناه خالق العزة، وإنما معناه صاحب العزة.
ويأتي الرب بمعنى المعبود، كما قال الله عز وجل عن يوسف - لما قال لمن معه في السجن للرجلين: (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) أأرباب متفرقون: يعني المعبودين، خير أم الله الواحد القهار.
ومنه قول غاوي بن عبد العزة في البيت المشهور:
أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد هان من بالت عليه الثعالب
يعني أمعبود يبول الثعلبان، الثعلبان: يعني الثعلب، يقال له ثعلبان، في القصة المعروفة في السيرة، لما جاء الثعلب وبال على رأسه فكان ذلك سببًاَ لتركه وترك عبادته.
أرب يبول الثعلبان برأسه؛ كيف يكون معبودًا وهو بهذه المنزلة من الهوان والذل والضعف والعجز، فقد هان من بالت عليه الثعالب.
فهذه جميعًا: المعبود، والمالك، والمتصرف، المربي، إلى آخره؛ كل هذه تصدق على الله عز وجل.
فالله هو السيد الذي لا شبه له، ولا مثل في سؤدده وفي ذاته وأسمائه وصفاته، وهو المصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من النعم، وهو المالك الذي له الخلق والأمر، وهو مربي الخلق، وهو معبودهم، والقائم على خلقه، وهو صاحب العزة.
وبهذا الاعتبار تكون صفة الربوبية صفة ذات أو صفة فعل؟
إذا نظرنا إليه بمعنى المالك والسيد والمعبود فهي صفة ذات.
وإذا نظرنا إليها باعتبار أنه هو المربي لخلقه فهي صفة فعل.
ولذلك نقول: إن صفة الربوبية هي صفة ذات وصفة فعل؛ لأن جميع هذه المعاني صحيحة وثابتة.
وهذا الاسم الكريم (الرب) الذي يتضمن هذه المعاني جميعًا يختص بالله عز وجل عند الإطلاق، وأما عند الإضافة فلا مانع من إطلاقه على غير الله عز وجل بقيد، فيقال: رب الدار، رب الإبل، رب السيارة، وما أشبه ذلك.
وأما إذا أطلق، قيل: فلان رب؛ هذا لا يجوز إلا لله عز وجل، وقد جاء قليلًا في كلام العرب استعمال هذا الاسم الكريم، هذا الاسم الذي لا يصلح إلا لله عز وجل عند الإطلاق؛ إطلاقه على غير الله عز وجل من غير إضافة، وهذا من كفرهم على كل حال وجهلهم.
ومنه قول الحارث من حلّزة، يقول:
وهو الرب والشهيد على يومِ ... الحيارينِ والبلاء بلاءُ