منها: التربية الخلقية، بمعنى أن الله عز وجل يخلقهم في بطون أمهاتهم خلقًا من بعد خلق في ظلمات ثلاث وينقلهم من طور إلى طور، ثم بعد ذلك يولد الإنسان ويقوى ويشتد ويصلب عوده فيمر بمراحل شتى في حياته بعد خروجه إلى هذه الدنيا، فهذا كله من التربية الخلقية التي يربينا الله عز وجل بها، فهذه تربية.
والتربية أيضًا الأخرى وهي: تربية الهداية الفطرية، تلاحظ أن المولود حينما يولد من الآدميين والحيوانات حينما يخرج من بطن أمه يلتقم الثدي، من الذي علمه ذلك؟ من الذي علم هذه الكائنات أن تتصرف في تصرفات شتى لتحصل معاشها وتحمي أنفسها من الإنقراض والهلاك؟ من الذي علمها ذلك؟
هو الله جل جلاله بهذه التربية الفطرية، ومن ذلك، أن الله عز وجل أوحى إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومما يعرشون، فمن الذي علم السباع أن تأكل اللحوم؟ وعلم بهيمة الأنعام وما شابهها أن تأكل الحشائش وأوراق الأشجار والنباتات؟ لا يخطئ واحد من السباع فيأكل النباتات، أو نجد شيئًا من بهيمة الأنعام يأكل اللحوم، لماذا؟
لأن الله عز وجل ألهمها ورباها هذه التربية الفطرية، لماذا نجد أن المولود أو الصغير لم يعلم كيف يأكل؟ تمتد يده مباشرة إلى أي شيء أمامه ثم يضعه أين؟ في فمه، لماذا لا يضعه في أذنه؟ لماذا لا يضعه في عينه؟ لماذا لا يضعه في أنفه؟ لماذا في الفم؟ من علمه أن هذا هو الطريق إلى المعدة؟ وأنه يأكل ليتحقق له الشبع أو الري عن طريق هذا التجويف وهو الفم؟ من علمه ذلك؟ هل الأم تعلم ولدها في الصغر أن هذا الفم هو؟ أبدًا، هذه تربية فطرية، هداية فطرية، يهدي الله عز وجل بها الخلائق.
وهناك هداية أعظم من هذه، وهي الهداية الشرعية التي تكون بإنزال الكتب وإرسال الرسل بتنزل الوحي لهداية الخلق، لبيان الشرائع، وبيان الطريق التي توصل إلى الله جل جلاله، وهذه نعمة عظمى يختص بها بعض الخلق، فهذه لا تكون للحيوانات، ولا للجمادات، وإنما تكون للعقلى من بني آدم ومن الجن، فيربيهم الله عز وجل هذه التربية، فينزل عليهم الوحي ويتدرج ذلك، ويعلمهم كيف يعبدونه، ويعلمهم دلائل قدرته وتوحيده وعظمته وما إلى ذلك من الأمور التي تعرفونها، كيف عرفنا هذا جميعًا؟ هو بهذه الهداية.
وهناك تربية أخرى؛ وهي تربية معيشية بتسخير ما في هذا الكون لهم، هذا البترول كيف اكتشفه الإنسان؟ وكيف صارت تقوم عليه الآن حضارة كبيرة جدًا حضارة مادية، ورزق الله به أممًا، وهذه المأكولات والنباتات التي تخرج من الأرض، كيف يستفيد منها الإنسان؟ وكيف عرفها؟ والأشياء المستخرجة من البحار، من الحيوان، والنبات، كيف عرفها الإنسان وتعامل معها بألوان شتى من التعاملات حتى انتفع بها في طعامه أو شرابه أو في أي شأن من شؤونه في العلاج في الدواء، كيف عرف هذه الأشياء وهي في قعر البحر: كيف عرف أن المادة الفلانية في الخاصية الفلانية؟ وأن الشيء الفلاني ينفع في علاج المرض الفلاني؟ وأن النبات الفلاني يخلط مع كذا وكذا فينفع في كذا؟ أو حتى في الأكل، الآن لو جاء الإنسان يستف الحب وهو لم يطهى ولم يطبخ، فإنه لا يستسيغه، من علمه أنه يضعه على النار ويضعه مع الماء وإلى آخره، حتى يجد به ألوان المطعومات الطيبة المستلذة، كيف عرف هذه الأشياء؟ هو بتربية الله عز وجل له، هذه التربية التي سخر له فيها ما في هذا الكون.