فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 94

وهذه الدواب تأكل من الأرض ثم تمتد خواصرها، ثم تمتلئ أجسامها باللحم وما إلى ذلك، ثم تكون طعامًا لهذا الإنسان، فهو يرقبها ويرعاها هذا الإنسان، ثم بعد ذلك يجعلها في طعامه، وهذا الذي تأكله من العلف من النباتات تمتد ضروعها وتمتلئ باللبن ثم يشربه الإنسان سائغًا، وهكذا سخر الله عز وجل له هذا الكون، فهذا من تربية الله جل جلاله لنا.

وإذا عرفتم هذه المعاني عرفت لماذا عقب الله عز وجل الربوبية بالرحمة فقال (الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم) فربوبيته مبنية على الرحمة، هذه الربوبية التي يربينا الله عز وجل فيها بألوان هذه التربية مبنية على رحمته وإلا لم نجد شيئًا ننتفع به ولا نأكله ولم يسخر لنا شيء من هذه الأشياء التي في الكون، وإنما سخر ذلك جميعًا وهدينا إليه ونزلت الكتب وأرسلت الرسل، كل ذلك رحمة من الله عز وجل بنا، فهو ربنا ومالكنا وسيدنا ومربينا والمتصرف في شؤوننا، وهو أيضًا رحيم بنا.

فهذه الآثار من الإنعام والتربية التي تصلنا من الله جل جلاله ناتجة عن رحمته سبحانه وتعالى، وهي أثر من آثارها، ولهذا قال بعدها (الرحمن الرحيم) فهذه عقيدة إذا رسخت في قلب العبد أن ربوبية الله مبنية على الرحمة؛ عظم ربه جل جلاله، وأحبه المحبة اللائقة بالله، وأتذكر أني قرأت قديمًا لا أذكر في أي كتاب الآن عن بابل، وسبب تسمية هذه البلدة بهذا الاسم، لماذا قيل لها: بابل؟ فذكرت بعض الأخبار الإسرائيلية التي هي من كذب بني إسرائيل على الله عز وجل وتجنيهم عليه، لكن كنت أعجب إذا كان قوم ينظرون إلى ربهم بهذه النظرة فكيف يعبدونه، وهل يوجد في قلوبهم محبة له هؤلاء اليهود؟ فيقولون: إن الله عز وجل أول ما أنزل الخلق أنزلهم في بابل في هذه البلدة، فكانوا مجتمعين، ثم بعد ذلك أرادوا أن يتفقوا وأتمروا بينهم أنهم لا يخرجون منها لئلا تختلف ألسنتهم ولئلا يحصل بينهم تفرق واختلاف وتطاحن وتشاحن وحروب وكيانات متعددة موزعة، فقالوا: فلنجتمع، فلما علم الرب بذلك جل جلاله وتقدس عما يقوله هؤلاء الكذبة، يقولون: لما علم بذلك، قال: هيا فلنبلبل ألسنتهم، ففرق اللغات، وصار لكل قوم لغة، وتفرقوا في البلاد، فوقع بينهم الفساد والشر والشحناء والقتال والحروب والدمار والمنافسات، يقولون: ما أراد أن يجتمعوا لتتحقق مصالحهم، وإنما لما علم نيتهم وعزمهم على الاجتماع لتحقيق مصالحهم مباشرة قال: هيا فلنبلبل ألسنتهم، هذا رب اليهود ومعبود اليهود قبحهم الله، قوم ينظرون لله عز وجل بهذه النظرة ما ذا تتوقع، أن ربهم يضاد كل مصلحة لهم، ويعمل على إبطالها وإزالتها، بينما نحن نعلم أن ربوبيته مبنية على الرحمة وليست مبنية على الإفساد والتخريب وإنما هو رحيم بعباده سبحانه وتعالى أرحم بالواحد منهم من الوالدة بولدها.

ورحمة الله عز وجل أيضًا بهذا الاعتبار وبما وصفت؛ هي رحمة تعم الخلق أجمعين، المسلم والكافر، الإنسان والحيوان، فإنما يتحركون ويعيشون وينتشرون ويرزقون برحمة الله جل جلاله، فرحمة الله الرحمة العامة لا ينفك منها أحد، ولو أن أحدًا انفصلت عنه رحمة الله عز وجل وارتفعت عنه لحظة لهلك، فربوبيته العامة يدخل فيها خلقُهُ كلهم وملكُهُ لهم وتدبيرُهُ الكوني ورزقُهُ لهم وهدايتُهُم لمصالح دنياهم، فهذه هي الربوبية العامة التي لا يخرج عنها مخلوق.

وأما الربوبية الخاصة، هي ربوبيته لأهل الإيمان، يربيهم، ينقلهم من هداية إلى هداية، هي ربوبية أولياء الله عز وجل، وهذه الربوبية تكون بما يفيض عليهم من النعم المعنوية والحسية التي يختصهم بها وما يحصل لهم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت