فبعض العلماء أراد أن يجمع بين هذا وهذا، فقالوا: يستعيذ في أول القراءة وفي آخرها فيجمع بين الأمرين.
وبعضهم قال وهو الأرجح وعليه الجمهور: إن الاستعاذة تكون قبل القراءة، فالآية وإن كان ظاهرها أن الاستعاذة تكون بعد القراءة إلا أنها مبينة بسنة رسول الله - حيث كان يستعيذ بين يدي القراءة، وهي نظير قول الله عز وجل: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ... ) فهل المراد أن العبد إذا قام إلى الصلاة أنه يغسل وجهه ويتوضأ بعد الفراغ منها؟ الجواب: لا، وإنما المراد (إذا قمتم إلى الصلاة) أي أردتم القيام للصلاة.
وكذلك هنا (إذا قرأت القرآن) إذا أردت القراءة قراءة القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، يدل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - المخرج عند أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (كان رسول الله - إذا قام من الليل فاستفتح صلاته وكبر قال: ثم ذكر قال: ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه) هذا يقوله النبي - متى؟ إذا كبر واستفتح، يقوله بين يدي القراءة، ولم ينقل عن النبي - أبدًا أنه استعاذ بعد الفراغ من القراءة، فإذًا هذه الآية تبينها سنة رسول الله - ويبينها أيضًا الآية الأخرى وهي: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ... ) ولا يمكن أن يقول أحد بإن الوضوء يكون بعد الفراغ من الصلاة وإنما المراد إذا أردتم القيام إلى الصلاة، إذا أردتم القراءة.
بعد ذلك أقول: هذه الاستعاذة التي أمرنا الله عز وجل بها (فاستعذ بالله) والنبي - كان يستعيذ كما سبق، فهل هي واجبة أو أنها مستحبة؟ ولا يمكن أن يقال غير هذا، يعني غير الوجوب أو الاستحباب، لأن الشارع أمرنا بذلك، فهذا الأمر يدل على المشروعية وهي دائرة بين الاستحباب والوجوب.
فعامة أهل العلم وهو قول الجمهور: أنها مستحبة وليست بواجبة.
وبعض العلماء يقولون هي واجبة في العمر مرة واحدة، ولماذا مرة واحدة؟ قالوا لأنه يتحقق به مقتضى الأمر، الله أمرنا أن نستعيذ (إذا قرأت القرآن فاستعذ) لو أنه استعاذ في عمره مرة واحدة لكفاه.
وهذا القول يمكن أن يناقش أن الأمر هنا ربط بشرط، ومثله غالبًا يدل على التكرار (إذا قرأت القرآن) أي كلما قرأت القرآن فاستعذ، ما قال تعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، فإنه لو قال ذلك لأمكن لهذا القائل أن يقول يكفي ذلك في العمر مرة.
فعلى كل حال؛ القائل بأنه يكفي في العمر مرة واحدة هو ابن سيرين رحمه الله تعالى.
وبعضهم يقول: تجب عند القراءة، كل ما أراد الإنسان أن يقرأ فإنه يجب عليه أن يستعيذ، وما الدليل على ذلك؟ الدليل هذه الآية: (إذا قرأت القرآن فاستعذ) فهذا أمر علق بشرط إذًا، والأمر إذا علق بشرط فإنه يتكرر بتكرره، فكلما أردت القراءة يجب عليك أن تستعيذ.
طيب، الله عز وجل يقول (فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) ما قال فقولوا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ما ذكر لنا صيغة معينة، وإنما أمرنا بالاستعاذة فقط، فما هي صيغتها؟
لها عدة صيغ: