فهرس الكتاب
... وتأكيد علماء أهل السنة والجماعة على الانفصال والاستقلال في مسألة القدر عن القدرية والجبرية سببه تعلقهم بمفهوم السلف عن الإيمان الذي كانوا يعيشونه عملياً، وكانوا يرونه مغايراً لقول القدرية والجبرية في القدر، ولكنهم اضطروا أمام الجدل العقائدي مع هذه الفرق، أن يصوغوا قولهم صياغة نظرية كلامية مثلها معتمدين في ذلك على النصوص وفهمها للردّ عليها.
... وعليه، فقد يكون في ما تقدم من الكلام في موضوع القدر (1)
(1) يعد موضوع"القضاء والقدر"من الموضوعات العقائدية التي تتصل بالحياة البشرية اتصالاً حيوياً. وقد تعرض لبحثه العلماء قديماً وحديثاً. وقد وجد بعض العلماء من"العصر الحاضر"الذين قاموا بدراسة هذا الموضوع، أن كلمتي"القضاء والقدر"لم يجر استعمالهما مجتمعتين معاً من قبل أحد كاسمٍ واحدٍ، لا في القرآن ولا في الحديث ولا في اللغة ولا في كلام العلماء إلاّ بعد ترجمة الفلسفة اليونانية ووجود المتكلمين. فالمتكلمون هم الذين اصطلحوا على وضع اسم"القضاء والقدر"، للموضوع الذي أخذوه عن الفلسفة اليونانية. وأما الآيات والأحاديث التي تضمنت ألفاظ"القضاء"و"القدر"، فإنها تتحدث عن"صفات الله"وعن"أفعال الله"، وتفسر بمعانيها اللغوية أو الشرعية، ولا شأن لها بموضوع"القضاء والقدر"الذي يبحث في"أفعال الإنسان"بحثاً عقلياً. فالقضاء والقدر هو أفعال العباد وخاصيات الأشياء التي يحدثها العبد فيها، ويجب أن يبحث على أساس موضوع الثواب والعقاب لا على أساس آخر كعلم الله المحيط بكل شيء، أو إرادة الله المتعلقة بجميع الممكنات، أو اللوح المحفوظ المحتوي على كل شيء، أو الإيجاد من الإنسان أو من الله، فهذه الأسس لا علاقة لها بموضوع الثواب والعقاب.
... ... ومن منظور اتخاذ الثواب والعقاب أساساً لبحث"القضاء والقدر"، أي لبحث أفعال العبد وخاصيات الأشياء والتي يحدثها العبد في الأشياء، يعيش الإنسان ضمن دائرتين إحداهما تسيطر عليه والأخرى يسيطر عليها. ...
... ... أما الدائرة التي تسيطر عليه، فهي قسمان: قسم يقتضيه نظام الوجود مباشرة، ويسير الإنسان بحسبه سيراً جبرياً ولا اختيار له ولا علاقة له في ذلك، لأن الله هو الذي خلق نظام الوجود؛ وقسم لا يقتضيه نظام الوجود، وإنما هو أفعال تحصل من الإنسان أو عليه جبراً عنه مثل الزلازل وحوادث السيارات والطائرات وغيرها، والأفعال في هذه الدائرة تسمى"قضاء"ولا ثواب ولا عقاب عليها لأنه لا دخل للإنسان بها سواء وقعت منه أو عليه.
... ... وأما"القدر"، فهو خواص الأشياء التي قدرها الله في الأشياء كخاصية الإحراق في النار والاحتراق في الخشب، ولا يستطيع الإنسان أن يوجدها إلا في الأشياء التي تكون خاصية من خواصها. وبالتالي،"فالقضاء"هو أفعال الإنسان التي تقع في الدائرة التي تسيطر عليه؛ و"القدر"هو الخاصيات التي خلقها الله في الأشياء ويحدثها الإنسان فيها. والإيمان"بالقضاء والقدر"خيرهما وشرهما من الله تعالى، هو الإيمان بأن الأفعال التي تحصل جبراً عن الإنسان ولا قبل له بدفعها، والخاصيات الموجودة في طبائع الأشياء هي من الله تعالى وليست من العبد ولا دخل له بها.
... وأما الدائرة التي يسيطر الإنسان عليها، فهي الدائرة التي تقع فيها الأعمال التي تصدر من الإنسان أو عليه بإرادته واختياره، ويُثاب على الفعل إن كان مما يستحق الثواب، ويعاقب عليه إن كان مما يستحق العقاب، كإشباع الحاجات والغرائز، وهذه الأعمال لا دخل لها بالقضاء، ولا دخل للقضاء بها، لأنها أفعال اختيارية يقوم الإنسان بها بمحض إرادته واختياره، والإنسان مسؤول عنها ثواباً وعقاباً.
... ... وأما علم الله والكتابة في اللوح المحفوظ، فهو تعبير عن إحاطة علم الله بكل شيء، ولا يكون ذلك مجبراً، لأن الإنسان لا يقوم بعمله بناء عليه. وأما إرادة الله ومشيئته، فتعني أنه لا يقع في ملك الله إلاّ ما يريد؛ فإذا عمل العبد عملاً ولم يمنعه الله منه ولم يرغمه عليه بل تركه يفعل مختاراً، كان فعل العبد ضمن إرادة الله ومشيئته، وكان فعل العبد باختيار العبد، وليس جبراً عن الله، ولا تكون إرادة الله ومشيئته مجبرة على العمل.
... (انظر: تقي الدين النبهاني، نظام الإسلام، ص ص. 12 ـ 19) .