الصفحة 10 من 29

ينقل عن الملّة ,إنّما هو"كفر دون كفر",والرّواية المذكورة في مستدرك الحاكم تشير بأنّ الكلام كان موجّها لفئة معيّنة ,وليس تفسيرا للآية الكريمة"ليس بالكفر الذي يذهبون إليه ,إنّه كفر لا ينقل عن الملّة"

هذا هو فهم الخوارج للآية الكريمة ,والذين يريدون تنزيل مقولة ابن عبّاس رضي الله عنهما ,الّتي كانت في معرض ردّه على الفهم السّقيم للخوارج لمسألة الحكم بما أنزل الله ,حقيقة أمره أنّه يلبّس على النّاس أمر دينهم خذمة لبدعته ,فلا ابن عبّاس رضي الله عنه ,قال ما قاله وهو يعني المبدّلين لشرع الله ,المحكّمين للقوانين الوضعية ,المتحاكمين للشرائع الطّاغوتية ,ولا الخوارج كذلك استدلّوا له بتلك الآية الكريمة وهم يقصدون الحكم بغير ما أنزل الله بمعنى التّبديل والتّشريع من دون الله ,و إلاّ لاستدلّوا له رضي الله عنه بآيات لا تحتمل صرفا و لا تأويلا كقوله تعالى

"أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله", فالّذي يشرّع من دون الله ,فقد زعم لنفسه الحقّ في إحدى خصائص الملك ,وهي الحكم والتّشريع والتّحليل والتّحريم ,فلا أحد غير الله يملك هذا الحقّ ,ومن اعترف لغير الله بهذا الحقّ ,فقد اتّخده ربّا من دون الله ,وأشركه مع الله في الحكم ,قال الله تعالى"ولا يشرك في حكمه أحدا", فلا فرق بين من يشرك بالله في عبادة الأصنام والإستغاثة بالجنّ ,وبين من يطلب الرّزق من الأموات ,وبين من يتخذ نظام حياته بكلّ تفاصيله ,وقدّه وقديده من غير الله ,لا فرق بينهما في العبادة ,ولا فرق بينهما في الشّرك ,فكلاهما مشرك ,وقد يكون الذي يطيع غير الله في أمور الحياة ,ويتخذ من تلك النظم التي شرّعها الطاغوت منهجا في الحياة ونظاما يجب أن يُتّبع ,ولا يتبرّء من واضعيها ومنها ,ويعتزلها ,فهو أكثر شركا ممّن تقتصر عبادته على طلب الرّزق من غير الله , أو يسجد لصنم ,أو لحجر , لأنّ شرك الحاكمية يتعدّى ضرره إلى سواه من النّاس والمجتمع ,وما جائت الشّريعة إلاّ لحفظ دين الله وعقيدة النّاس الصّحيحة ,وحفظ العقل واجتناب العبث به ,وحفظ النّفس الّتي صارت تزهق كلّ يوم ,وتحت أعين الطّاغوت وبمباركته ,وحفظ المال ,الّتي جاءت الشرائع الطّاغوتية لتأكل اموال النّاس بالباطل تحت نظم ربوية ,ولحفظ العرض الذي صار أرخص من بعض المواد التّجميلية

بل إنّ مسألة استبدال شريعة الله بقوانين الإفرنج , ومسألة تشريع القوانين المضاهية لشرع الله ,والّتي يجادل عنها علماء السّلطان ,لم تعرف في زمن الصّحابة رضي الله عنهم ,ولا في عهد التّابعين ولا من جاء بعدهم ,و إنّما عرفت في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ,بعد مرور حوالي سبع قرون من بعثة المصطفى ,عليه الصّلاة والسّلام ,أثناء حكم التّتار ,والذي قام ملكهم جنكيزخان بجمع شرائع شتّى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت