والرّواية الثانية ذكرها احمد وغيره من العلماء الافاضل ,عن أبي هريرة عن البراء بن عازب عن جابر ,زنى رجل من اليهود بامرأة ,فقال بعضهم لبعض ,إذهبوا بنا إلى هذا النّبيّ ,فإنّه بُعث بالتّخفيف ,فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها ,واحتججنا بها عند الله ,وقلنا فُتيا نبيّ من انبيائك ,قال ,فأتوا النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام ,فقالوا يا أبا القاسم ,ماذا تقول في امرأة و رجل زنيا ,فلم يكلّمهم حتى أتى بيت مدراسهم ,فقال عليه الصّلاة والسّلام أنشدكم بالله الذي أنزل التّوراة على موسى ,ماذا تجدون في حقّ الزاني المحصن ,قالوا ,يحُمّم ويُجبّه و يُجلد, وسكت شابّ منهم , فلمّأ رآه النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام ,الظّ به رسول الله عليه الصّلاة والسلام النّشد, فقال الشّابُّ, اللهم اذ نشدتني ,فإنّا نجد في التّوراة الرّجم ,فقال النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام ,فما أوّل ما ارتخصتم أمر الله , قال زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا ,فأخّر عنه الرّجم ,ثمّ زنى رجل في إثره من النّاس ,فأراد رجمه ,فحال قومه دونه ,وقالوا لا نرجم صاحبنا حتّى تجيئ بصاحبك فترجمه ,قال أبو هريرة رضي الله عنه فاصطلحوا على عقوبة منهم. هذه الرّواية أيضا تشير إلى اعتقاد اليهود أنّ الرّجم هو شرع الله ,وأنّ ما بدّلوه هو من عند أنفسهم ,أي انتفاء شرط الإعتقاد الذي يشترطه مرجئة العصر ,لتكفير من بدّل شرع الله ,أي اعتقاد حرمة الرّجم واستحلال التّجبيه والجلد ,وهذا ما لم تكن تعتقده اليهود عند تبديلها شرع الله ,بحيث قال عبد الله بن سلام ,وهو من كبار علماء اليهود"فإنّا نجد في التّوراة الرّجم"فكان الدّافع وراء تبديلهم شرع الله هو محاباة ملك من ملوكهم ,لأحد أقربائه ,وكذلك خوف وقوع الفتنة والحرب بين الطّائفة الذليلة والطائفة العزيزة ,أي وجدوا في تبديلهم لشرع الله من الرّجم إلى التّحميم والجلد والتّجبية ,حلاّ يرضي الطّرفين المتنازعين ,ولم يكن أبدا اعتقادا للحكم المبدّل ,بل كانوا يقرّون في ما بينهم ,أنّهم ظالمون في ذلك ,آثمون في تركهم حكم الله. فاصطلاحهم على عقوبة من عند أنفسهم دليل على عدم اعتقادها ,وإنّما كان ذلك مصلحة رأوها تجنّبهم فتنة القتال فيما بينهم.
اخرج مسلم في صحيحه ,قال البراء بن عازب ,مُرّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يهودي محموما مجلودا ,فال رسوله الله صلّى الله عليه وسلم ,أهكذا تجدون حدّ الزّاني في كتابكم , فقالوا نعم ,فدعا رجلا من علمائهم ,فقال أنشدك بالذي أنزل التّوراة على موسى ,قال الحبر لصاحبه ,ما نُشدت بمثله قطّ ,أهكذا تجدون حدّ الزّاني في كتابكم ,قال لا والله , لولا أنّك ناشدتني بهذا ما أجبتك , نجد حدّ الزّاني في كتابنا الرّجم ,ولكنّه كثُر في أشرافنا ,فكنّا إذا أخذنا الشّريف تركناه ,وإذا أخذنا الضّعيف أقمنا عليه الحدّ, فقلنا تعالوا حتّى نجعل شيئا نقيمه على الشّريف والوضيع ,فاجتمعنا على التّحميم والجلد ,فقال النّبيّ عليه الصّلاة و السّلام ,اللهم إنّي أوّل من أحيا أمرك إذ أماتوه ,قال