‹
الصفحة 29 من 29

,فكان ذلك منه ارتدادا وكفرا بعد الإيمان. فأين هؤلاء الذين يشترطون الإستحلال لتكفير من أتى ناقضا من نواقض الإيمان ,من هذه الحجّة الدّامغة القويّة.

فالكفر كما رأينا من هذه الآيات يكون بالقول أو بالعمل مجرّدا عن الإستحلال ,أو التّكذيب ,وبالتّالي فاشتراط الإستحلال لتكفير من بدّل شرع الله هو شرط بدعي ما أنزل الله به من سلطان ,فاستحلال الفعل المحرّم كفر ,سواء فعله أم لم يفعله ,ولا فرق وقتها بين من كذب ,أو زنى ,أو رشى ,أو شرب خمرا ,وبين من بدّل شرع الله ,أو سجد للصّنم ,أو طعن في دين الله ,أو ألقى المصحف في القاذورات ,أو وصف حدود الله بالمتوحّشة والهمجيّة ,وبين من قال أنّ التعدّد هو ظلم للمرأة ,وأنّ شريعة الله لم تعد تصلح لأقامة دولة عصرية على أساسه!!! مع أنّ الشّريعة فرّقت بين هذه الأقوال والأعمال ,فاشترطت الإستحلال لتكفير المعاصي والكبائر الّتي هي دون الكفر ,وبين الكفر الصّريح البواح الذي لا يحتمل تأولا أو صرفا ,كتبديل شرع الله ,فهو كفر مجرّد عن الإستحلال ,ولا يكون الإستحلال وقتها ألاّ زيادة في الكفر ,كما قال الله تعالى"إنّما النّسيئ زيادة في الكفر ,يضلّ به الذين كفروا يحلّونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدّة ما حرّم الله"فكانوا يحلّون الأشهر الحرام عاما ,ويحرّمونها عاما ,أي يرجعونها إلى أصل التّحريم ,الذي يعرفونه ويعتقدونه في قلوبهم ,فكان هذا الفعل منهم زيادة في الكفر, ثمّ إنّ مناط الكفر في الآية معلّق على مجرّد التّبديل وعدم الحكم بما أنزل الله ,ولا يصرف الحكم عن ظاهره إلاّ بقرينة شرعية من كلام الله ,أو من كلام رسوله ,لمعرفة مراد ومعنى الآية ,ثمّ إنّه ليس في الآية ما يدلّ على الإستحلال ,فيجب أن لا يكفر ,وهذا خلاف الآية و الإجماع المنعقد على كفر من بدّل شرع الله ,أو شرّع من دون الله أحكام ما أنزل الله بها من سلطان.

وهؤلاء الذين يرون كفر هؤلاء المبدّلين لشرع الله ,الحاكمين بشرائع الكفر والطغيان ,كفرهم كفر أصغر ,إنّما حقيقة عملهم استدراك على كلام الله من غير حجّة دامغة ,سوى كلام بئيس منسوب لحبر الامّة ابن عبّاس رضي الله عنهما. أينهم من هذه الحجج السّاطعة؟

وهذا غير صحيح ,فاهل العلم لا يخرجون بقاعدة شرعية بالنظر الى دليل واحد في مسالة تعددت ادلتها ,بل يبنون قواعدهم على اساس الجمع بين النصوص الشرعية ذات العلاقة بالمسالة ,فيخرجون بالقاعدة الصحيحة. امّا اهل البدع فهم يتركون المحكم ويتهافتون على المتشابه ,يتركون القطعي ,ويجرون وراء الظنّي ,قال الله تعالى"هو الذي انزل عليكم الكتاب منه ايات محكمات هنّ امّ الكتاب واُخر متشابهات ,فامّا الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله وما يعلم تاويله الاّ الله والراسخون في العلم يقولون امنّا به كلّ من عند ربّنا"سمّى الله الذين يتركون

المحكم ويتبعون المتشابه ,في قلوبهم زيغ

الكاتب"أبو جندل الصّنهاجي"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت