2 -قبل تحرك الإخوة للمسيرة تم توزيع المسؤوليات والمهام، وأهمية ذلك لا تخفى على أحد، ولكن لا بد أن ننبه على أن توزيع المهام والتأمير على الجيش له ضوابط ومقومات، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما روى أبو داود (أنزلوا الناس منازلهم) فتأمير الأمراء ليس على حسب الأقدمية أو السن أو العلم أو التقوى أو الشجاعة بل لكل وضع ما يناسبه فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في معركة ذات السلاسل على كبار المهاجرين والأنصار وكان فيهم أبوبكر الصديق رضي الله عنه وكان عمرو رضي الله عنه حديث عهد بإسلام ولم يمض على إسلامه إلا أربعة أشهر بل إن أبا عبيدة لما وصل بمدد إلى جيش عمرو رفض أن يكون الأمير ودخل تحت إمرة عمرو، وكذلك أمّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة وهو ابن الثامنة عشر عامًا على جيش فيه وعمر وأبي عبيدة وسعد بن أبي وقاص وغيرهم فلم يكن العمر ضابطًا في التأمير، وكذلك رفض عمر رضي الله عنه تولية البراء بن مالك لأنه كان شجاعًا وقال"لا تولوا البراء فإنه مهلكة".
والولايات عمومًا يُختار لها القوي التقي ولكن ربما تطرأ بعض الأمور يحتاج فيها الأمير إلى تولية قليل العلم والدين نظرًا لمعرفته بالأرض أو لشجاعته أو لدهائه، فمن قال إن الأعلم أحق بالإمارة نقول هذا أبو بكر أعلم من عمرو وقد أمر رسول الله صلى عليه وسلم عمروًا عليه، ومن قال إن الأقدم هجرة أولى بالإمارة نقول هذا خالد بن الوليد أُمّر على البدريين في مؤتة، ومن قال إن الأشجع هو الأمير نقول إن عمر وعليًا رضي الله عنهما أشجع من أسامة وقد أمّر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما أسامة، فالإمارة لسيت حكرًا على صنف من المسلمين أو جنسية أو قبيلة، لأن لكل مجاهد قدرة وطاقة فمتى احتجنا قدرة هذا وطاقته نوليه لانفراده بقدرات ليست عند غيره وإن كانوا أعلم منه وأتقى، يقول شيخ الإسلام في الفتاوى 28/ 254"اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل ولهذا كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: (اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة) ."
فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها فإذا تعيّن رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر اعظم قوة؛ قُدِّم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهما ضررا فيها فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوى الشجاع وان كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينا كما سئل الامام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو وأحدهما قوى فاجر والآخر صالح ضعيف مع أيهما يغزى فقال: (أما الفاجر القوى فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين فيغزى مع القوى الفاجر وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم:(إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) وروي (بأقوام لا خلاق لهم) وإن لم يكن فاجرا كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه