تظهر من خلاله ملامح شخصيته العلمية، من مصادر متنوعة في العلم والمعرفة، وشيوخ وعلماء ورحلات أغنت علومه ومعارفه ومدى تأثره بفنّه وثقافته، وتجلى ذلك ووضوحه في تفسيره، ثم قدرته الخاصة به في الوصول إلى تحقيق غاياته وأهدافه.
فعند النظر في منهج ابن العربي الإشبيلي (543 هـ) في كتابه"أحكام القرآن" (1) نقف على عنايته الفائقة بالمأثور من الحديث، وتتجلى في منهجه الفريد القائم على اعتماد الصحيح والاقتصار عليه؛ لأنه أصل الدين وأسّه، والاستشهاد به مع ذكر مصدره بسنده - غالبا - ودرجته، وبيان منهجه المتميز في نقد الحديث سندا ومتنا، وذكر جوانب الاستشهاد به، سواء أكان في اللغة أم في النحو أم الأحكام أم البلاغة .. ثم تظهر عنايته في التنبيه على الحديث الضعيف والحث على ترك العمل به، لأنه لا يعتد به ولا ينهض عليه حكم .. ولو رجعنا إلى"أحكام القرآن"للكيا الهراسي (504 هـ) لما وجدنا شيئا من هذه العناية، ومرجع هذا الأمر في نظري تقدم ابن العربي في علوم الحديث دراية ورواية، وعلو كعبه فيه تصنيفا وتأليفا، ومن يقرأ مقدمة عارضة الأحوذي شرح صحيح الترمذي يقف على هذه الحقيقة.
ولأهمية المقارنة بين المفسرين في المناهج، أرى أن الدراسات القديمة والحديثة قد ألمحت بشيء من هذه الموازنة من غير تأصيل ولا تفصيل، فنجد في الدراسات القديمة - مثلا - ما حرره ابن عطية في مقدمة تفسيره قال:"ثم إن محمد بن جرير الطبري - رحمه الله - جمع على الناس التفسير وقرّب البعيد، وشفا في الإسناد، ومن"
(1) ينظر د. المشني: ابن العربي الإشبيلي وتفسيره أحكام القرآن 109 - 122.