الصفحة 10 من 24

والذي انتهيت إليه بعد قراءتي التفسير كله، أن جميع هؤلاء - يعني بهم القائلين بأن الرازي لم يكمل تفسيره - قد أخطأوا نتيجةً لعدم قراءتهم جميع التفسير، إذ لو فعلوا مثلما فعلت، لكان من الممكن أن يصلوا إلى ما وصلت إليه، وهو أن تفسير"مفاتيح الغيب"اعتبارا من سورة الفاتحة، إلى نهاية سورة الناس، له، وليس لغيره (1) .

وهذه الإحالات أقوى في الترجيح وأشمل مما توصل إليه الدكتور محمود النقراش، من أن الرازي قد وصل في تفسيره إلى سورة ص، وذلك بعد أن نقل كلاما طويلا عن الرازي في قصة سيدنا داود - عليه السلام - وأنه قد حضر مجلسه بعض أكابر الملوك ... (2) ، ثم إن العلامة الفخر الرازي كان وحده صاحب الحظوة عند الملوك، على ما بيّنتْه كتب التراجم (3) ، وساق ما يؤيد هذا من إكرام السلاطين له واحتفاؤهم به، ثم قال:

"ولعل هذا يعطينا شيئا نستطيع أن نتبيّن منه أن الفخر الرازي وصل إلى تفسير سورة ص، وبهذا يكون قد قطع مرحلة ليست باليسيرة في تفسيره إن لم يكن القطع بذلك هو الأولى (4) ."

أقول: قد وقفت على قوله في هذه السورة:"... وقد لخصناها في أول سورة يونس بالاستقصاء، فلا سبيل إلى التكرير" (5) . وتفسير سورة يونس للإمام الرازي بلا خلاف.

ب - التواريخ التي دوّنها الرازي في نهاية كثير من السور، وهي ما بين سنة 595 هـ إلى سنة 603 هـ، ولنركز هنا على ما أثبت من التواريخ بعد سورة الأنبياء، حيث نجده يقول بعد فراغه من تفسير سورة الصافات:

"تم تفسير هذه السورة ضحوة يوم الجمعة، السابع عشر من ذي القعدة سنة ثلاث وستمائة،"

(1) انظر الرازي مفسرا ص 56 فما بعدها، ففيه طرف من الإحالات، ولكن بغير الترتيب الذي سلكناه، كما أنه لم يذكر كثيرا مما ذكرناه. مما يدل على أن الإحالات كثيرة جدا.

(2) انظر التفسير الكبير 26/ 191.

(3) وهذا فيه نظر، فإن تلميذ الإمام الرازي شمس الدين أحمد بن الخليل الخويي، الذي قيل: إنه أكمل تفسير"مفاتيح الغيب"للراوي، كانت له حظوة - أيضا - عند الملك المعظم عيسى بن الملك العادل، فإنه - كما يقول ابن أبي أصيبعة - لما ورد إلى الشام في أيام السلطان الملك المعظم، استحضره، وسمع كلامه، فوجده أفضل أهل زمانه في سائر العلوم، وكان الملك عالما بالأمور الشرعية، والفقه، فحسن موقعه عنده وأكرمه. انظر"عيون الأنباء"ص 646.

(4) انظر"مناهج المفسرين؛ التفسير بالرأي"ص 74.

(5) انظر التفسير الكبير 26/ 201، وأقول:"وقد وقفت على قول الرازي في تفسير سورة ص - أيضا - الكلام المستقصي في أمثال هذه الفواتح مذكور في أول سورة البقرة، ولا بأس بإعادة بعض الوجوه ..."26/ 174. وهذا لون من ألوان الإحالات الكثيرة في التفسير الكبير، ومثل هذا التعبير دائر في أوله وآخره، فمن ذلك قوله في تفسير سورة آل عمران:"وقد سبق تفسير الحنيف في سورة البقرة"8/ 99، وقوله:"... فتقدم في سورة البقرة"7/ 164. وهذه الكلمة مفسرة في سورة الأنعام 23/ 70:"... قد تقدم بيانها في سورة البقرة"22/ 148. وقام الكلام في الآية في سورة البقرة 23/ 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت