الصفحة 16 من 24

قال أبو حيان:"جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء:"فيه كل شيء إلا التفسير" (1) ."

هكذا أطلقت هذه العبارة على تفسير الرازي، فتناقلها الناس، ودارت على الألسنة، ليغمز بها الرازي وتفسيره عن قصد أو بغير قصد.

وأرى أن المتأمل في هذه المقولة - وله معرفة بتفسير الرازي - يدرك أن فهيا مغالاةً ومبالغةً زائدة (2) ، وحيفا على هذا التفسير وصاحبه، ولعل منشأ الخطأ في هذا الحكم ومجانبة الصواب إنما نتج عن عدم ملاحظة منهج الرازي في تفسيره والدافع له على تأليفه، وهو:

الدفاع عن القرآن الكريم، وتبرير جميع ما جاء فيه على ضوء القوانين العقلية، وتأييد استدلالاته في العقيدة بها، وإجابة الطاعنين، والرد عليهم، حتى لا يبقى شك عند أحد في كونه من الله سبحانه وتعالى، ولذا فهو يسخر في تفسيره المعارف الإنسانية لتحقيق هدفه، وهو: إثبات الإعجاز العقلي والعلي للقرآن، وإظهاره منزّها عن التناقض الفكري والقصور العقلي، وإثبات جقائق النقل بدقائق العقل، حتى لا يستطيع ملحد أو ضال أن ينفذ من صغرة غير مسدودة، فيطعن في القرآن باسم العلم، فينطلي تزييفه على البسطاء، فتتعرض عقائد الناس إلى الهزات .. إنه يمثل ذروة المحاولة العقلية لفهم القرآن (3) ، وإثبات سلامته من أي نوع من أنواع التناقض مع اشتماله على تلك العلوم والمعارف الكثيرة.

إنه يلزمنا أن نلاحظ أن منهج الرازي في تفسيره لا يقوم على الأثر وسرد الروايات، وإن كان قد اشتمل على قدر ليس بالقليل من ذلك، حتى نصدر عليه مثل هذا الكلام لقاسي، الذي ربما

(1) انظر"الإتقان"4/ 213، وقال: إنه ذكر في البحر، ولم أجده في مقدمته مع تعرضه لبعض التفاسير، فلعله ذكره في بعض المواضع في ثنايا التسير، وانظر"كشف الظنون"1/ 230 - 231، ونسب الصفدي هذه العبارة للإمام ابن تيمية، وذكر أنها نقلت لقاضي القضاة أبي الحسن على السبكي، فقال: ما الأمر كذا، إنما فيه مع التفسير كل شيء، انظر"الوافي بالوفيات"1/ 254.

(2) بعد أن كتبت هذا، وقفت على ما ذكره الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري، فإنه بعد أن أثنى على"التفسير الكبير"، وذكر قيمته العلمية قال: وقد قيل عنه: فيه كل شيء إلا التفسير، وفي هذا القول غلوّ ومبالغة، وإلا، فهو من جهة الكلام على الآيات، وما فيها من اللغات والفوائد، لا يقل عن أي تفسير من التفاسير المهمة إن لم يَفُقْ عليه. انظر"بدع التفاسير"ص 176. ووقفت - أيضا - على ردّ الدكتور جلال الدين عبد الرحمن لهذا القول، لأنه صدر عن غير رويّة، وثبت على مقارنة سطحية. انظر"القاضي ناصر الدين البيضاوي وأثره في أصول الفقه"ص 227، مطبعة السعادة بمضر.

(3) انظر"الرازي مفسرا"ص 192 و 193.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت